في الوقت الذي يعيش فيه أهل قطاع غزة واحدة من أقسى المراحل في تاريخهم، بين الحصار والدمار وانعدام الموارد، تبرز ظاهرة خطيرة تُضاعف الألم وتحوّل المأساة إلى فرصة ربحٍ رخيص: احتكار السلع وإخفاء البضائع تحت ذرائع مختلفة، فيما الناس تبحث عن لقمة تسد جوع أطفالها.
خلال الأيام الأخيرة، تصاعدت في الشارع الغزي تساؤلات حول قيام التاجر شريف السوافيري بإخفاء بضائعه، والادعاء بأن ما لديه مخصص “للمؤسسات العاملة في غزة”، في وقتٍ تعاني فيه الأسواق من نقص حاد وارتفاع جنوني في الأسعار. هذه الروايات، تعكس حجم الاحتقان الشعبي والغضب المتراكم تجاه كل من يُشتبه في استغلاله لمعاناة الناس.
لا أحد يعترض على أن للمؤسسات الإغاثية أولوية في بعض السلع، خاصة في ظل الكارثة الإنسانية. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط:
لماذا تختفي البضائع من الأسواق فجأة؟
ولماذا ترتفع الأسعار فور انتشار شائعة نقص؟
ولماذا يشعر الناس أن بعض المخازن ممتلئة بينما الأرفف فارغة؟
هذه الأسئلة لا تأتي من فراغ، بل من واقع يعيشه المواطن يوميًا. أمّ تبحث عن كيس طحين، أبٌ يقف ساعات أمام محل مغلق، طفل ينتظر علبة حليب لا تصل. في مثل هذه اللحظات، أي تبرير لا يُقنع، وأي خطاب لا يُشبع جائعًا.
التاجر في الظروف الطبيعية يسعى للربح، وهذا حق مشروع. لكن في زمن الكارثة، يتحول الربح إلى مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون صفقة مالية.
الذي يخزن السلع بينما الناس تتضور جوعًا، والذي ينتظر اللحظة المناسبة لرفع السعر، والذي يختبئ خلف لافتة “مخصص للمؤسسات” دون شفافية واضحة، إنما يغامر بسمعته أولًا قبل أن يغامر بماله.
المجتمع لا ينسى.
والذاكرة الشعبية أقسى من أي قانون.
حين يتساءل الناس: “متى وقف هذا التاجر مع الفقراء؟” فهم لا يبحثون عن تشهير، بل عن سجل أخلاقي.
في الأزمات الكبرى، تظهر المعادن الحقيقية. هناك من يفتح مخازنه ويوزع بسعر التكلفة، وهناك من يضاعف السعر ويغلق الأبواب.
غزة اليوم لا تحتاج إلى تجار أزمات، بل إلى شركاء في الصمود.
لا تحتاج إلى من يحوّل الطحين إلى سلعة نادرة، ولا الزيت إلى كنز، ولا حليب الأطفال إلى ورقة ضغط.
المسؤولية لا تقع على الأفراد فقط، بل على الجهات الرقابية أيضًا.
من واجبها أن توضح للرأي العام:
الشفافية وحدها تُطفئ الشائعات، وتُسقط الاتهامات، وتحمي الأبرياء إن كانوا أبرياء.
في غزة، الجوع ليس رقمًا في تقرير. هو وجه طفل ينتظر.
هو أمّ تحاول إخفاء دموعها.
هو بيت بلا خبز.
وأي شخص — أيا كان اسمه — يظن أن بإمكانه استثمار هذا الجوع لصالحه، سيكتشف أن الربح الذي يُبنى على ألم الناس هو خسارة أخلاقية لا تُعوَّض.
التاريخ في غزة لا يكتب فقط قصص الشهداء، بل يكتب أيضًا أسماء الذين وقفوا مع الناس… وأسماء الذين خذلوهم.