بدنا نعيش

أخبار المقاومة 2 مارس 2026

ازدواجية الدم… حين يصبح الموت في غزة مباحًا ومحرّمًا في غيرها

ازدواجية الدم… حين يصبح الموت في غزة مباحًا ومحرّمًا في غيرها

في زمن الانكشاف الكبير، لم تعد المواقف تُقاس بالشعارات، بل بميزان الدم. ومن يضع نفسه في موقع التأثير والرأي العام، لا يُحاسَب على الكلمات وحدها، بل على اتساقها الأخلاقي. هنا تحديدًا تتفجّر الأسئلة حول مواقف مذيعة غادة عويس، التي بدت – في نظر كثيرين – متقلبة بين خطاب يُبرّر التصعيد حين يكون الميدان غزة، وخطابٍ أكثر تحفظًا أو انتقادًا حين يقترب الخطر من جغرافيا أخرى.

غزة، التي تحوّلت إلى ساحة مفتوحة للموت والحصار والدمار، ليست ساحةً نظرية لتجريب الخطابات الثورية أو تصفية الحسابات السياسية. هي مدينة يسكنها بشر، أطفال ونساء وعائلات كاملة، يدفعون ثمن كل قرارٍ متهوّر وكل خطابٍ يشحن المشاعر دون حسابٍ للعواقب. وعندما يُطرح أي تصعيد على أنه بطولة مطلقة، دون الالتفات إلى ميزان القوة والنتائج الكارثية المتوقعة، فإن ذلك لا يكون تحريضًا سياسيًا فحسب، بل مقامرة بأرواح الناس.

الإشكالية ليست في تبنّي موقف سياسي معيّن، فهذا حقٌ مكفول لكل صحفي أو إعلامي كمواطن. الإشكالية في ازدواجية المعايير: حين يُصوَّر الموت في غزة كقدرٍ محتوم أو كثمنٍ مقبول، بينما يصبح الاقتراب من مشاهد مشابهة في أماكن أخرى سببًا لإعادة الحسابات، أو لانتقاد خيارات المقاومة ذاتها. هنا يتبدّى السؤال الأخلاقي: هل الدم الفلسطيني أقل حرمة؟ أم أن الجغرافيا السياسية هي التي تحدد سقف التعاطف وحدود الجرأة؟

لقد اعتاد الجمهور العربي على خطاب إعلامي يرفع سقف التوقعات، ثم ينسحب عند أول اختبار حقيقي. غزة لا تحتاج إلى خطبٍ حماسية من بعيد، بل إلى خطابٍ مسؤول يوازن بين الحق المشروع في مقاومة الاحتلال، وبين واجب حماية المجتمع من الانزلاق إلى كوارث أكبر. فالمقاومة ليست شعارًا، بل قرارًا استراتيجيًا تُحسب فيه الكلفة قبل العنوان.

أما حين تتحول الشاشات إلى منصات تعبئة غير محسوبة، فإن الخطر لا يكون في الكلمات وحدها، بل في أثرها على وعي الناس وصنّاع القرار. الإعلامي ليس قائدًا عسكريًا، لكنه قد يسهم في تشكيل المناخ الذي تُتخذ فيه القرارات. ومن هنا، فإن التناقض بين تشجيع التصعيد في ساحة، وانتقاد نتائجه أو رفضه في ساحة أخرى، يفتح بابًا واسعًا للشك في صدقية الخطاب برمّته.

غزة ليست ورقة ضغط، وليست مادة إعلامية موسمية. هي جرحٌ مفتوح، وكل كلمة تُقال عنها يجب أن تُوزن بميزان الألم الحقيقي لا بميزان الاصطفاف السياسي. وإذا كان من حق أي إعلامي أن يعبّر عن رأيه، فمن حق الجمهور أيضًا أن يسأل: أين يقف هذا الرأي حين تتبدّل الجغرافيا؟ وأين تكون المبادئ حين يصبح الثمن بيوتًا مهدّمة وأطفالًا تحت الركام؟

إن أخطر ما يواجه قضايانا اليوم ليس العدو المعلن فحسب، بل ضبابية البوصلة الأخلاقية. حين يُصبح الدم نسبيًا، والموقف انتقائيًا، تتآكل الثقة، ويضيع الخط الفاصل بين التضامن الحقيقي والمزايدة الخطابية.

في النهاية، ليست المسألة شخصًا بعينه، بل نموذجًا إعلاميًا يحتاج إلى مراجعة عميقة. فالقضية الفلسطينية – وغزة في قلبها – أكبر من أن تُختزل في انفعال لحظي أو في خطابٍ يتغير بتغير المسافات. الثبات على المبدأ لا يُختبر حين يكون الخطر بعيدًا، بل حين يقترب. وهناك فقط، تتضح حقيقة المواقف.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.