بدنا نعيش

أخبار المقاومة 3 مارس 2026

صرخات أهل لبنان بين نار الحرب ووقود السياسة

صرخات أهل لبنان بين نار الحرب ووقود السياسة

لم يعد اللبنانيون يطلبون الكثير. لا شعارات كبرى، ولا خطابات عن “المقاومة” و”التحرير”، ولا مزايدات على الشاشات. كل ما يطلبه الناس اليوم هو حقّهم في الأمان… وحقّهم في البنزين كي يهربوا من الموت.

في الجنوب والبقاع وضاحية بيروت، يعيش المدنيون على وقع تصعيد عسكري يربط مصير بلدٍ كامل بحسابات تنظيمٍ مسلح هو حزب الله. مغامرات تُتخذ في الغرف المغلقة، وقرارات حرب وسِلم لا تمر عبر مؤسسات الدولة، بينما يدفع المواطن الثمن من بيته وأمنه ورغيف خبزه.

نزوح بلا خطة… وتشريد بلا دولة

المشهد يتكرر: قصف متبادل، تحذيرات بالإخلاء، سيارات محمّلة بما خفّ وزنه وغلا ثمنه، وأطفال يسألون عن سبب الرحيل المفاجئ. آلاف العائلات نزحت من قراها، تاركة خلفها منازل قد لا تعود إليها قريبًا. لا خطة طوارئ واضحة، ولا شبكة أمان اجتماعي حقيقية، ولا دولة قادرة على إدارة الكارثة.

لبنان الذي أنهكته سنوات الانهيار الاقتصادي، لم يتعافَ أصلًا من جراحه المالية، حتى يُزجّ به في مواجهة مفتوحة. بلدٌ يقف على حافة الإفلاس، بالكاد يؤمّن الكهرباء لساعات محدودة، يجد نفسه اليوم أمام خطر دمار جديد لا يملك ترف تحمّله.

البنزين… حق للهرب من الموت

الأصوات التي ترتفع اليوم ليست أصواتًا سياسية، بل صرخات إنسانية: افتحوا محطات الوقود!

أن تُغلق محطات البنزين في لحظة نزوح جماعي، فذلك يعني حبس الناس داخل دائرة الخطر. الوقود لم يعد سلعة رفاهية، بل أصبح وسيلة نجاة. كيف يُطلب من العائلات أن تُخلي بيوتها بينما خزانات سياراتها فارغة؟ كيف يُطلب من الناس أن يهربوا من القصف سيرًا على الأقدام؟

المأساة أن مشهد الطوابير أمام محطات الوقود بات جزءًا من يوميات اللبنانيين منذ سنوات، لكن هذه المرة يرتبط الانتظار بالخوف المباشر من الموت، لا فقط بالعجز الاقتصادي.

قرار الحرب… من يملكه؟

السؤال الجوهري الذي يهمس به كثيرون علنًا وخفية: من يقرر الحرب في لبنان؟

الدولة اللبنانية، بمؤسساتها الدستورية، تبدو في موقع المتفرج. القرار الفعلي بيد تنظيم مسلح يرتبط إقليميًا بمحور تقوده إيران، ما يجعل الساحة اللبنانية جزءًا من حسابات أوسع من حدودها. وهنا تكمن المأساة: حين يتحول وطن بأكمله إلى ورقة ضغط في صراع إقليمي.

ليس المطلوب نزع الشعارات من أفواه أحد، بل إعادة القرار إلى مؤسسات الدولة. ليس المطلوب التخلي عن كرامة وطن، بل حماية ما تبقى منه. الكرامة لا تكون بتعريض المدنيين للخطر، ولا بترك العائلات تواجه النزوح وحدها.

بين الخطاب والواقع

الخطاب السياسي قد يتحدث عن “توازن الردع” و”وحدة الساحات”، لكن الواقع على الأرض يتحدث عن عائلات مشتتة، وأطفال بلا مدارس، ومرضى لا يجدون طريقًا إلى المستشفى. يتحدث عن بلدٍ يُستنزف مرة أخرى، في وقت لم يلتقط فيه أنفاسه بعد.

لبنان ليس ساحة اختبار. ليس صندوق بريد للرسائل الإقليمية. وليس درعًا يُستخدم ثم يُترك لينزف.

صرخات أهل لبنان اليوم واضحة: نريد دولة تحمينا، لا مغامرات تدمرنا. نريد قرارًا وطنيًا، لا حسابات خارج الحدود. نريد وقودًا لنغادر مناطق الخطر، لا شعارات تُشعل النار أكثر.

قد يختلف اللبنانيون في السياسة، لكنهم يتفقون على أمر واحد: لا أحد يملك حق المقامرة بمصير وطنٍ كامل.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.