منذ نشأتها أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1987 مع اندلاع الانتفاضة الأولى، قدمت حركة حماس نفسها بوصفها مشروع “المقاومة الصافية” الذي لا يساوم ولا يهادن. رفعت شعارات كبرى، ووعدت بحسم تاريخي، وبنت سردية تقوم على احتكار الوطنية والدين معًا. لكن بعد عقود من التجربة والسلطة والدم، يبقى السؤال المشروع: ماذا حصد الفلسطينيون من كل هذا الضجيج غير مزيد من الحصار والانقسام والخراب؟
الشعار سهل، لكن الدولة صعبة. الخطاب الثوري الذي لا يعترف بتعقيدات السياسة ولا بحسابات القوة يتحول سريعًا إلى أداة تعبئة عاطفية لا إلى مشروع تحرر فعلي. لقد أتقنت حماس صناعة الخطاب، ورفعت سقف التوقعات إلى حد السماء، لكنها لم تقدم نموذجًا حكمًا رشيدًا حين أُتيحت لها الفرصة في غزة.
منذ سيطرتها على القطاع عام 2007، دخل الفلسطينيون مرحلة انقسام مرير أضعف الجبهة الداخلية وشتّت القرار الوطني. بدل أن يكون السلاح عنصر قوة موحّد، أصبح عنوانًا لسلطة الأمر الواقع، ووسيلة لتكريس الانقسام السياسي والمؤسسي. وهنا تحوّل الشعار إلى غطاء، وتحولت “المقاومة” إلى سلطة لا تُسأل ولا تُحاسب.
لا يمكن إنكار حجم العدوان الإسرائيلي المتكرر على غزة، لكن السؤال الأخلاقي والسياسي يبقى: هل أُديرت المواجهات بما يحمي الناس، أم استُثمرت لتعزيز الخطاب الأيديولوجي؟
في كل جولة تصعيد، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. البيوت تُدمّر، الاقتصاد ينهار، الأجيال تُسحق تحت الركام، بينما تُعاد صياغة المشهد إعلاميًا باعتباره “نصرًا إلهيًا” أو “إنجازًا تاريخيًا”. أي نصر هذا الذي يُقاس بعدد الضحايا وحجم الدمار؟ وأي إنجاز يُبقي مليوني إنسان في أكبر سجن مفتوح في العالم؟
إن أخطر ما في عقيدة بيع الوهم أنها تُعيد تعريف الخسارة بوصفها انتصارًا، وتُجرّم كل من يطالب بالمراجعة أو المساءلة، وتختزل الوطنية في الولاء التنظيمي.
كما فعلت حركات أيديولوجية كثيرة عبر التاريخ، بنت حماس خطابًا يقوم على الثنائية الحادة: “معنا أو ضدنا”. كل ناقد يُتهم بالعمالة، وكل معارض يُصنَّف في خانة الخيانة. وهنا يصبح المجتمع رهينة خطاب تعبوي يُقصي التعددية، ويُصادر السياسة، ويحوّل الخلاف إلى جريمة.
الوطنية ليست ملكًا لتنظيم، والدين ليس أداة تعبئة حزبية. حين تختلط القداسة بالسياسة، يُغلق باب النقد، ويُستبدل الحوار بالتخوين. والنتيجة مجتمع خائف، وصحافة مكبّلة، وشباب يبحث عن الهجرة بدل البحث عن أفق.
لم تكن حماس يومًا معزولة عن محيطها الإقليمي. تحالفاتها المتقلبة، خصوصًا مع إيران ومحورها، طرحت تساؤلات عميقة حول استقلالية القرار الوطني. هل الأولوية فعلًا للمصلحة الفلسطينية، أم لحسابات الصراع الإقليمي الأوسع؟
حين يتحول القرار الوطني إلى ورقة في لعبة نفوذ إقليمي، يدفع الشعب الثمن. تصبح غزة ساحة رسائل متبادلة، وتتحول دماء الفلسطينيين إلى مادة في بازار السياسة الدولية. وهنا يتجلى جوهر الإشكال: الخطاب يَعِد بالتحرير، لكن الممارسة تربط المصير بحسابات خارج الحدود.
المقاومة ليست شعارًا مجردًا؛ هي فعل سياسي وأخلاقي منضبط برؤية وطنية جامعة. أما الحكم، فيحتاج إلى مؤسسات، وشفافية، ومساءلة، وإدارة موارد، واحترام حقوق الناس. الجمع بين البندقية والسلطة دون ضوابط أنتج نموذجًا مرتبكًا، لا هو مشروع تحرر مكتمل، ولا هو دولة قادرة.
لقد آن الأوان لطرح الأسئلة الصعبة:
بيع الوهم أخطر من الهزيمة؛ لأنه يُبقي الناس معلّقين بين أمل مصطنع وواقع قاسٍ. والشعارات الزائفة لا تبني وطنًا، بل تبني جمهورًا غاضبًا يُعاد تدوير غضبه كل مرة.
القضية الفلسطينية أكبر من أي تنظيم، وأعمق من أي شعار. ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس مزيدًا من الخطابات النارية، بل رؤية وطنية جامعة تُعيد الاعتبار للوحدة، وتفصل بين قداسة القضية وقداسة الأشخاص، وتُخضع الجميع للمساءلة.
إن النقد ليس خيانة، والمراجعة ليست ضعفًا، والاعتراف بالأخطاء ليس سقوطًا. بل هي الطريق الوحيد للخروج من دائرة الوهم إلى أفق السياسة الواقعية المسؤولة.
فالأوطان لا تُدار بالشعارات، ولا تُحرَّر بالخطب، بل تُبنى بالعقل، وتُحمى بوحدة الصف، وتنتصر حين يكون الإنسان فيها أغلى من أي راية وأعلى من أي تنظيم.