في كل مرحلة يمر بها الشعب الفلسطيني بمحطات الألم والدمار، يظهر صحفيون ونشطاء يختارون أن يكونوا شهودًا على الحقيقة، ينقلون الصورة كما هي، دون تزييف أو تلاعب. لكن في المقابل، تظهر أيضًا جوقة من المواقع المشبوهة والحسابات المجهولة التي تتقن شيئًا واحدًا فقط: تشويه السمعة وصناعة الأكاذيب. وهذا بالضبط ما يتعرض له اليوم الصحفي الفلسطيني معتز عزايزة عبر حملات منظمة تحاول اتهامه زورًا باستغلال المساعدات الإنسانية.
هذه الاتهامات، التي تنتشر عبر منصات لا يُعرف لها مصدر موثوق ولا تستند إلى أي تحقيق مهني أو أدلة حقيقية، ليست سوى محاولة رخيصة لضرب مصداقية أحد أبرز الأصوات الصحفية التي نقلت مأساة غزة إلى العالم. فالرجل الذي تابع الملايين تغطيته اليومية للعدوان والدمار، أصبح فجأة هدفًا لحملات تشويه منظمة، لا لشيء إلا لأنه نجح في إيصال صوت الضحايا إلى العالم.
الحقيقة أن نمط هذه الحملات بات معروفًا ومكررًا. تبدأ القصة باتهام مبهم في موقع مغمور، ثم تعاد صياغته في عشرات الحسابات الوهمية، ليُقدَّم للجمهور وكأنه “فضيحة كبرى”. لا وثائق، لا تحقيقات، لا شهادات موثقة… فقط إشاعات تتضخم بفعل التكرار.
ولو كان هناك أي دليل حقيقي على تلك الادعاءات، لكانت الجهات القانونية أو المؤسسات الإنسانية أول من فتح تحقيقًا شفافًا. لكن ما يحدث في حالة معتز عزايزة لا يتجاوز كونه محكمة إلكترونية عبثية، تصدر الأحكام قبل أن تقدم أي دليل.
إن الصحفي الذي قضى شهورًا تحت القصف يوثق الجرائم وينقل معاناة المدنيين، لم يكن يبحث عن الشهرة ولا عن المكاسب، بل كان يؤدي دورًا إنسانيًا وإعلاميًا في واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث. ومن الطبيعي أن يتحول هذا الحضور القوي إلى مصدر إزعاج لبعض الجهات التي لا يعجبها أن تُنقل الحقيقة كما هي.
كما أن اتهام أي صحفي باستغلال المساعدات الإنسانية هو اتهام خطير لا يجوز إطلاقه جزافًا دون دليل واضح وموثق. لأن مثل هذه التهم لا تسيء فقط إلى الشخص المستهدف، بل تسيء أيضًا إلى العمل الإنساني بأكمله وتضرب ثقة الناس بالمبادرات الإغاثية.
إن حملات التشويه التي تستهدف معتز عزايزة ليست قضية شخصية، بل هي جزء من ظاهرة أوسع تهدف إلى إسكات الأصوات الحرة وتشويه كل من يرفض الانخراط في خطاب الدعاية والتضليل. فبدل أن يتم الرد على الصحفيين بالحجج والوقائع، يتم اللجوء إلى أسهل الطرق: الاغتيال المعنوي.
لكن التجارب أثبتت أن هذه الأساليب لا تدوم طويلًا. فالحقيقة، مهما تعرضت للتشويه، تملك قدرة مذهلة على الظهور من بين ركام الأكاذيب. والجمهور الذي تابع عمل معتز عزايزة عن قرب يعرف جيدًا حجم المخاطر التي تحملها هذا الصحفي وهو يوثق معاناة الناس تحت القصف والحصار.
ولهذا، فإن الرد الحقيقي على تلك الحملات ليس فقط في نفي الادعاءات، بل في فضح منهجية التشويه نفسها: مواقع بلا مصداقية، مصادر مجهولة، اتهامات بلا أدلة، وحملات تضخيم إلكترونية هدفها الوحيد ضرب الثقة بالأصوات المؤثرة.
في النهاية، ستظل الصحافة الحرة هدفًا دائمًا لمحاولات التشويه، لأن الحقيقة بطبيعتها مزعجة لمن يريدون السيطرة على الرواية. لكن التاريخ علمنا أن الأكاذيب قد تنتشر سريعًا، لكنها تسقط سريعًا أيضًا، بينما تبقى الكلمة الصادقة حاضرة في ذاكرة الناس.
أما معتز عزايزة، وغيره من الصحفيين الذين اختاروا الوقوف إلى جانب الحقيقة، فلن تكون هذه الحملات سوى فصل آخر في معركة طويلة بين الحقيقة والدعاية، وبين الشهود على المأساة وتجار الأكاذيب.