في الأوقات العصيبة التي تمر بها غزة، يفترض أن يكون الصحفي صوت الناس الصادق ومرآة معاناتهم، ينقل الحقيقة كما هي دون تزييف أو تضليل. فالصحافة في جوهرها رسالة أخلاقية قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية تجاه المجتمع قبل أن تكون وسيلة للظهور أو تحقيق المكاسب. لكن المؤلم أن بعض من يرفعون راية الإعلام اختاروا أن يسلكوا طريقًا مختلفًا، طريق الاصطفاف الحزبي الضيق واستغلال معاناة الناس في لعبة السياسة والمصالح.
ومن بين هذه الأسماء يبرز المدعو محمود العامودي، الذي يقدَّم في بعض المنصات باعتباره صحفيًا، بينما يرى فيه كثير من المتابعين أحد الأصوات الإعلامية المحسوبة على حركة حماس، والتي كرست جزءًا كبيرًا من خطابها لمهاجمة نشطاء غزة وتشويه كل من يجرؤ على انتقاد سياسات الحركة أو الدفاع عن حقوق الناس.
فبدل أن يكون القلم أداة لكشف معاناة أهل غزة والدفاع عنهم، أصبح في كثير من الأحيان وسيلة لمهاجمة الأصوات المستقلة. نشطاء غزة الذين يطالبون بالإصلاح، ويرفضون القمع، ويقفون إلى جانب أهلهم في مواجهة الفقر والحصار، يجدون أنفسهم هدفًا لحملات تشويه يقودها إعلاميون يفضلون حماية الرواية الحزبية على حساب الحقيقة.
لكن الخطير في هذا المشهد لا يقف عند حدود التحريض الإعلامي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ظاهرة أكثر إثارة للغضب لدى الشارع الغزي، وهي التربح من الأزمات الإنسانية. فبينما يعيش أهل غزة واحدة من أقسى مراحلهم، مع دمار واسع ونقص في أبسط مقومات الحياة، ظهرت ممارسات مثيرة للجدل تتعلق بنشر روابط التبرعات وجمع الأموال تحت عناوين إنسانية، في الوقت الذي يتساءل فيه كثيرون عن مصير هذه الأموال وآليات إدارتها وشفافيتها.
إن تحويل مآسي الناس وآلامهم إلى وسيلة لجذب التبرعات دون وضوح أو رقابة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، ويضع علامات استفهام كبيرة حول استغلال المعاناة الإنسانية لتحقيق مكاسب شخصية أو إعلامية. فالمساعدات الإنسانية يجب أن تكون عملاً نزيهًا قائمًا على الشفافية والمساءلة، لا منصة للظهور ولا بابًا للكسب على حساب وجع المنكوبين.
وفي الوقت الذي تُنشر فيه روابط التبرعات ويُطلب من الناس حول العالم المساهمة باسم غزة، يجد كثير من النشطاء الذين يطرحون أسئلة حول الشفافية أو يطالبون بوضوح في آلية إدارة هذه الأموال أنفسهم عرضة لهجوم حاد واتهامات جاهزة بالتخوين أو إثارة الفتنة. وكأن مجرد السؤال عن مصير التبرعات أصبح جريمة تستوجب التشهير.
هذه المعادلة المختلة – مهاجمة المعارضين من جهة، والترويج لجمع الأموال باسم معاناة الناس من جهة أخرى – تعكس أزمة أخلاقية حقيقية في بعض أشكال الإعلام الحزبي الذي فقد البوصلة المهنية، واستبدل دور الصحافة النزيهة بدور الدعاية والتأثير الموجه.
إن أهل غزة الذين يدفعون الثمن الأكبر من حياتهم وكرامتهم لا يحتاجون إلى مزيد من الشعارات أو المتاجرة بمأساتهم. ما يحتاجونه هو صوت صادق ينقل معاناتهم دون تزييف، وإعلام مسؤول يحترم عقول الناس ويضع الحقيقة فوق أي اعتبار حزبي أو شخصي.
فالتاريخ لا ينسى من وقف إلى جانب الناس في محنتهم، كما أنه لا ينسى من حاول تحويل تلك المحنة إلى فرصة للظهور أو الربح. وبين الصحافة الحقيقية وأبواق الدعاية مسافة كبيرة، لا تُقاس بالكلمات، بل بالمواقف والضمير.