في الثامن من آذار، يوم المرأة العالمي، يقف العالم ليتحدث عن حقوق النساء وكرامتهن ودورهن في بناء المجتمعات. لكن في غزة، هذا اليوم لا يمرّ كما يمر في بقية بقاع الأرض. هناك، تختلط معاني الصمود بالحزن، والكرامة بالألم، وتتحول قصص النساء إلى شهادات دامغة على حجم المأساة التي تعيشها المدينة وسكانها. وفي قلب هذه المأساة تقف قصة الشابة المغدورة إسلام حجازي، التي تحولت إلى رمز صارخ لما يمكن أن تفعله سلطة السلاح حين تُوجَّه إلى صدور الأبرياء بدل حماية المجتمع.
إسلام حجازي ليست مجرد اسم عابر في سجل الضحايا، بل قصة امرأة فلسطينية دفعت حياتها ثمناً في بيئة باتت فيها الكلمة الحرة جريمة، والرأي المختلف خطراً يستوجب العقاب. أن تُقتل امرأة بعشرات الرصاصات، وأن يُطلق عليها هذا الكم من النار وكأنها عدو في ساحة حرب، فذلك ليس مجرد جريمة قتل، بل رسالة ترهيب لكل امرأة وكل صوت يجرؤ على رفض الواقع أو انتقاده.
إن إطلاق عشرات الرصاصات على جسد امرأة شابة لا يمكن تفسيره بأي مبرر أخلاقي أو إنساني. إنها جريمة تحمل في طياتها كل معاني الغدر والقسوة، وتكشف عن عقلية لا ترى في الإنسان قيمة، ولا في المرأة كرامة. في مجتمع يعيش تحت الحصار والدمار، كان الأولى أن تُصان حياة الناس وأن تُحمى كرامتهم، لا أن تتحول البنادق إلى أدوات لتصفية الحسابات وإرهاب المجتمع.
قصة إسلام حجازي تعيد فتح الجرح الأكبر: واقع النساء في غزة تحت سلطة السلاح والقرارات الكارثية. فالمرأة الغزية، التي عُرفت تاريخياً بصمودها وقدرتها على تحمل أصعب الظروف، تجد نفسها اليوم محاصرة بين أعباء الحرب، وضغط الحياة اليومية، والخوف من بطش سلطة لا تتسامح مع المعارضة أو النقد.
لقد دفعت نساء غزة ثمناً باهظاً خلال السنوات الماضية، لكن هذا الثمن تضاعف بشكل مأساوي بعد القرار المشؤوم في السابع من أكتوبر، وهو القرار الذي أدخل القطاع في دوامة غير مسبوقة من الدمار والمعاناة. فبين ليلة وضحاها، تحولت حياة ملايين الناس إلى كابوس يومي من الخوف والنزوح والجوع وفقدان الأمان.
والمرأة كانت دائماً أول من يدفع الثمن في مثل هذه المآسي. فهي الأم التي تفقد أبناءها، والزوجة التي تترمل، والابنة التي تكبر في ظل الخراب، والنازحة التي تبحث عن لقمة عيش ومكان آمن في خيمة باردة أو مدرسة مدمرة. ومع كل هذا الألم، لا تزال المرأة الغزية تحاول أن تبقى واقفة، أن تحمي ما تبقى من عائلتها، وأن تحافظ على إنسانيتها وسط الفوضى.
لكن المأساة لا تقف عند حدود الحرب والدمار. فهناك أيضاً القمع الداخلي الذي يكمّم الأفواه ويلاحق النشطاء والمنتقدين، رجالاً ونساءً. كثير من الأصوات النسائية التي حاولت التعبير عن رأيها أو الدفاع عن حقوقها وجدت نفسها أمام جدار من التخوين والتهديد، بل وأحياناً أمام العنف المباشر.
إن ذكرى إسلام حجازي في يوم المرأة ليست مجرد استعادة لحادثة مؤلمة، بل هي تذكير بأن العدالة لا تزال غائبة، وأن دماء الضحايا لا ينبغي أن تتحول إلى أرقام تُنسى مع مرور الوقت. فكل رصاصة أُطلقت على جسدها هي جرح في ضمير المجتمع، وكل محاولة لطمس الحقيقة هي إهانة لكرامة المرأة الفلسطينية.
نساء غزة لسن مجرد ضحايا للحرب، بل هن ضحايا أيضاً لواقع سياسي مأزوم، وقيادات تتخذ قرارات مصيرية دون أن تحسب ثمنها الإنساني. لقد دفعت النساء ثمن تلك القرارات من بيوتهن وأبنائهن وأحلامهن، ومع ذلك لا يُسمع صوتهن في دوائر القرار، ولا يُعترف بمعاناتهن كما ينبغي.
في هذا اليوم العالمي، لا يكفي أن نكتب كلمات التعاطف أو أن نرفع الشعارات. المطلوب هو أن تُسمع قصص هؤلاء النساء، وأن يُسلّط الضوء على معاناتهن، وأن يُطالب بالعدالة لكل ضحية سقطت ظلماً. فكرامة المرأة لا تتجزأ، ودمها ليس أقل قيمة من دم أي إنسان آخر.
إسلام حجازي أصبحت رمزاً لجرح مفتوح في ذاكرة غزة. ووراء اسمها تقف آلاف النساء اللواتي يعشن الألم بصمت، ويواصلن الصمود رغم كل ما حدث. هؤلاء النساء يستحققن أكثر من التعاطف؛ يستحققن حياة آمنة، وكرامة مصونة، ومستقبلاً لا تُقرره فوهات البنادق ولا حسابات السياسة الضيقة.
وفي يوم المرأة العالمي، تبقى الحقيقة واضحة:
نساء غزة أقوى من كل محاولات القمع، وأكبر من كل الحسابات السياسية، وسيظل صمودهن شاهداً على أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تُقتل بالرصاص.
إن ذكرى إسلام حجازي ليست مجرد ذكرى، بل صرخة في وجه الظلم… وتذكير دائم بأن العدالة، مهما تأخرت، تظل مطلباً لا يسقط بالتقادم.