في زمن المآسي الكبرى التي يعيشها أهل غزة، حيث تتداخل الدماء بالأنقاض ويختلط الألم بالأمل، تظهر على السطح نماذج بائسة ممن باعوا ضمائرهم بثمن بخس، واتخذوا من لقب “صحفي” غطاءً لتمرير خطاب التحريض والكراهية. ومن بين هذه النماذج يبرز اسم المدعو إسلام بدر، الذي لم يعد دوره مقتصراً على الانحياز السياسي أو تبني موقف إعلامي معين، بل تجاوز ذلك ليصبح أحد الأصوات التي تحرض بشكل مباشر على نشطاء غزة، وتبرر الجرائم المرتكبة بحق أهل القطاع، في سلوك لا يمت بصلة لأخلاقيات الصحافة ولا لضمير الإنسان.
فالصحافة، في جوهرها، رسالة إنسانية قبل أن تكون مهنة. وهي قائمة على نقل الحقيقة، والدفاع عن الإنسان، والوقوف إلى جانب الضحايا لا التحريض عليهم. لكن ما يفعله إسلام بدر يضعه خارج هذا الإطار تماماً، حيث تحولت منصاته إلى منابر لتشويه النشطاء الفلسطينيين الذين يرفعون أصواتهم دفاعاً عن أهل غزة، وتحوّل خطابه إلى آلة دعائية تبرر المأساة بدل أن تكشفها.
لقد أصبح من الواضح أن هذا الخطاب ليس مجرد رأي سياسي، بل هو تحريض ممنهج يهدف إلى شيطنة كل صوت معارض، وإسكات كل من يجرؤ على انتقاد الكارثة التي يعيشها القطاع. فبدلاً من توجيه القلم نحو كشف الجرائم التي يتعرض لها المدنيون، اختار إسلام بدر أن يوجه سهامه نحو أبناء شعبه أنفسهم، وأن يهاجم النشطاء الذين يحاولون الدفاع عن كرامة الناس وحقهم في الحياة.
والأخطر من ذلك أن هذا التحريض يأتي في لحظة تاريخية حساسة، حيث يتعرض أهل غزة لواحدة من أقسى المآسي الإنسانية في تاريخهم. ففي مثل هذه اللحظات، يفترض بالإعلامي الحقيقي أن يكون صوتاً للضحايا، وأن يسعى لكشف الحقيقة للعالم، لا أن يتحول إلى بوق يبرر المأساة أو يهاجم من يحاول فضحها.
إن استخدام صفة “صحفي” في مثل هذا السياق لا يعدو كونه تستراً بلباس المهنة، لأن الصحافة الحقيقية لا يمكن أن تكون غطاءً للتحريض أو تبرير العنف أو التحريض ضد المدنيين والنشطاء. فالصحفي الذي يفقد بوصلته الأخلاقية ويتحول إلى أداة في يد أي طرف سياسي، يفقد في اللحظة ذاتها حقه في التحدث باسم المهنة.
كما أن خطاب التحريض الذي يتبناه إسلام بدر لا يسهم إلا في تعميق الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني، ويغذي مناخ التخوين والكراهية، وهو مناخ لطالما استغلته القوى التي لا تريد خيراً لغزة ولا لفلسطين. فبدلاً من توحيد الصفوف في مواجهة المأساة، يتم توجيه الجهود نحو معارك جانبية ضد نشطاء وصحفيين ومواطنين ذنبهم الوحيد أنهم يرفضون الصمت.
ولعل ما يثير الاستغراب هو هذا الإصرار على مهاجمة الأصوات الحرة، في الوقت الذي يصرخ فيه أهل غزة تحت الركام طلباً للحياة والكرامة. فهل أصبحت معاناة الناس مجرد مادة للمزايدة الإعلامية؟ وهل تحولت دماء الأبرياء إلى ورقة في صراعات الدعاية والتحريض؟
إن التاريخ لا يرحم، وذاكرة الشعوب لا تنسى. وكل من اختار أن يقف ضد شعبه في لحظة الألم الكبرى سيجد اسمه مسجلاً في صفحات سوداء من الذاكرة الوطنية. فالكلمات قد تبدو في ظاهرها مجرد منشورات أو تصريحات، لكنها في الواقع مواقف أخلاقية تكشف معدن أصحابها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة واضحة مهما حاول البعض طمسها:
غزة لا تحتاج إلى أبواق تحريض، ولا إلى مرتزقة يبيعون الخطاب الإعلامي لمن يدفع أكثر. غزة تحتاج إلى أصوات حرة، وإلى صحافة شريفة تنقل الحقيقة كما هي، وتقف إلى جانب الإنسان في مواجهة الظلم، لا أن تتحول إلى شريك في تبريره.
أما أولئك الذين اختاروا طريق التحريض والتشويه، فإنهم مهما حاولوا الاختباء خلف عناوين الصحافة، فلن ينجحوا في إخفاء حقيقة واحدة: أن القلم حين يُباع، يتحول من أداة للحقيقة إلى أداة للعار.