بدنا نعيش

أخبار المقاومة 10 مارس 2026

حين تُهدَّد الحقيقة… وتُحمى الفضيحة: ماذا يحدث في غزة؟

حين تُهدَّد الحقيقة… وتُحمى الفضيحة: ماذا يحدث في غزة؟

في مجتمعٍ يعيش واحدة من أصعب الكوارث الإنسانية في تاريخه، يفترض أن تكون الأولوية لحماية الناس وصون كرامتهم، خصوصًا النساء اللواتي دفعن الثمن الأكبر من المآسي والحروب والفقدان. لكن ما تكشفه قضية الشاب الغزّي أحمد مقداد يفتح بابًا واسعًا من الأسئلة المؤلمة حول واقع خطير يتسلل إلى المجتمع تحت عناوين زائفة مثل “المبادرات” و“العمل الإنساني”.

القصة التي أثارت الجدل بدأت عندما نشر أحمد مقداد شهادته بوضوح وصراحة، كاشفًا ما قال إنه ممارسات مروعة يقوم بها بعض من يطلقون على أنفسهم لقب “مبادرين”، مستغلين حالة الفقر واليأس التي تعيشها عائلات كثيرة في قطاع غزة، وخاصة الأرامل والبنات اللواتي فقدن المعيل والحماية في ظروف الحرب والدمار.

ما قاله مقداد لم يكن تلميحًا عابرًا أو اتهامًا غامضًا، بل جاء بصيغة مباشرة وصادمة. فقد أكد أن هناك من يستغل حاجة النساء للمساعدات الإنسانية، ويطلب منهن تجاوزات أخلاقية مقابل تقديم المساعدة. وهي اتهامات إن ثبتت صحتها فإنها تمثل جريمة أخلاقية وإنسانية مكتملة الأركان، تمس شرف المجتمع قبل أن تمس الضحايا أنفسهن.

لكن المفارقة الصادمة لم تكن في مضمون الاتهام فقط، بل في رد الفعل الذي تلا نشره.

بدل أن تُفتح تحقيقات فورية وشفافة حول الاتهامات الخطيرة التي تتعلق باستغلال نساء في ظروف إنسانية قاسية، فوجئ الرأي العام بأن الضغوط بدأت تُمارس على الشخص الذي كشف القضية. أحمد مقداد نفسه قال إن جهات شرطية تواصلت معه وأرسلت له تبليغات حضور، رغم أنه يؤكد أنه لم يرتكب أي خطأ سوى أنه تحدث عما يراه استغلالًا وابتزازًا.

وبحسب روايته، فإن الجهة التي استدعته ليست حتى ضمن نطاق منطقته، الأمر الذي أثار تساؤلات إضافية حول طبيعة التدخلات والضغوط التي تمارس في هذه القضية. بل إن عدد التبليغات التي وصلته بلغ خمسة بلاغات، وهو ما يراه كثيرون محاولة واضحة لإرهاقه قانونيًا وإسكاته بدل الاستماع لما يقوله.

وهنا يتحول الموضوع من خلاف فردي إلى قضية عامة تمس جوهر العدالة في المجتمع.

فإذا كان شخص ما قد كشف شبهة استغلال لنساء محتاجات، فإن المنطق الطبيعي يقول إن الأولوية يجب أن تكون للتحقيق في الاتهامات، والاستماع إلى الضحايا المحتملات، ومحاسبة أي شخص يستغل المساعدات الإنسانية لتحقيق مكاسب غير أخلاقية.

أما أن يتحول المسار فجأة إلى ملاحقة من تحدث عن القضية، فذلك يطرح سؤالًا خطيرًا: هل الهدف هو كشف الحقيقة أم دفنها؟

الأمر الأخطر أن هذه القضية لا تتعلق باسم شخص واحد أو حادثة محدودة. إنها تمس واقعًا اجتماعيًا حساسًا للغاية في قطاع غزة، حيث تعيش آلاف الأرامل والبنات في ظروف إنسانية قاسية، بعد أن فقدن الأزواج أو الآباء أو مصادر الدخل نتيجة الحروب والدمار.

في مثل هذه الظروف، تصبح المساعدات الإنسانية شريان حياة. لكنها في الوقت ذاته قد تتحول إلى أداة خطيرة إذا وقعت في أيدي أشخاص بلا ضمير، يستغلون حاجة الناس لتحقيق مكاسب شخصية أو ابتزاز أخلاقي.

وإذا كان المجتمع لا يستطيع حماية أكثر فئاته ضعفًا، فهذه ليست مجرد مشكلة فردية، بل أزمة أخلاقية عميقة.

إن السكوت عن مثل هذه الاتهامات لا يضر الضحايا فقط، بل يفتح الباب أمام انتشار ثقافة الإفلات من العقاب. فكل من يفكر في استغلال معاناة الناس سيشعر بالأمان طالما أن من يفضح الجريمة هو الذي يتعرض للملاحقة والضغط.

ومن هنا فإن القضية تتجاوز شخص أحمد مقداد. إنها تتعلق بكل فتاة وكل أرملة في غزة. تتعلق بالسؤال الأكبر: من يحمي هؤلاء عندما تتحول المساعدة إلى وسيلة ابتزاز؟ ومن يضمن ألا تتحول المبادرات الإنسانية إلى غطاء لانتهاكات مخزية؟

إن المجتمع الذي يحترم نفسه لا يخاف من التحقيق في الاتهامات، بل يخاف من دفنها.

والسلطة التي تريد الحفاظ على ثقة الناس لا تضيق بمن يكشف الفساد، بل تفتح تحقيقات شفافة وتقدم الحقائق للرأي العام.

أما حين يصبح الصمت هو المطلوب، والحديث هو الجريمة، فإن الرسالة التي تصل إلى المجتمع تكون خطيرة للغاية: الحقيقة ممنوعة.

اليوم يقف الغزيون أمام سؤال صعب لكنه ضروري: هل ستبقى هذه الاتهامات مجرد منشور عابر على مواقع التواصل، أم ستكون بداية لكشف حقيقة ما يجري خلف بعض الشعارات الإنسانية؟

الجواب عن هذا السؤال لن يحدد مصير أحمد مقداد وحده، بل سيحدد أيضًا ما إذا كانت كرامة النساء في غزة خطًا أحمر لا يمكن تجاوزه… أم ورقة أخرى تُطوى في صمت.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.