بدنا نعيش

أخبار المقاومة 14 مارس 2026

غزة بين فوهة البندقية وكرامة الإنسان: حين يُقيد الجريح في سرير المستشفى

غزة بين فوهة البندقية وكرامة الإنسان: حين يُقيد الجريح في سرير المستشفى

مرة أخرى تستيقظ غزة على حادثة موجعة تطرح سؤالاً ثقيلاً على الضمير الإنساني: ماذا يحدث داخل القطاع الذي أنهكته الحروب والحصار؟ وما الذي أوصل الأمور إلى أن يُطلق النار على شاب أعزل، ثم يُقيَّد بالأصفاد وهو مصاب على سرير المستشفى؟

قصة الشاب محمد أبو عمرة ليست مجرد حادثة عابرة في سجل الفوضى الأمنية التي يعيشها قطاع غزة، بل هي مرآة تعكس واقعاً مؤلماً يتفاقم يوماً بعد يوم؛ واقعاً يشعر فيه المواطن البسيط أنه أصبح الحلقة الأضعف في معادلة القوة والسلاح والنفوذ.

بحسب ما رواه شهود عيان، تعرض محمد أبو عمرة مساء قبل يومين لإيقاف من قبل مسلحين محسوبين على عناصر تتبع حركة حماس في وسط القطاع. ما بدأ كمشادة كلامية سرعان ما تحول إلى اعتداء جسدي بالهراوات والعصي، قبل أن يتطور الأمر إلى إطلاق نار مباشر على قدميه.
سقوط الشاب مضرجاً بدمه لم يكن نهاية المشهد، بل بدا وكأنه بداية فصل أكثر قسوة.

تجمّع عدد من المواطنين في المكان بعد سماع إطلاق النار، ما دفع المسلحين إلى الانسحاب سريعاً من الموقع، فيما سارع الأهالي إلى نقل أبو عمرة إلى مستشفى الأقصى في محاولة لإنقاذ حياته. هناك أُدخل إلى قسم العناية المركزة، وتم إنعاشه، وبدأت حالته الصحية بالاستقرار.

لكن ما جرى بعد ذلك كان أكثر صدمة من الحادثة نفسها.

فبدلاً من أن يتحول المستشفى إلى ملاذ آمن لمصاب يحتاج إلى الرعاية، دخلت مجموعة من المسلحين التابعين لحماس إلى المكان، وعلى رأسهم المدعو أبو جندل نوفل، وفرضوا طوقاً أمنياً داخل المستشفى، ومنعوا أي شخص من الوصول إلى المريض، حتى أفراد عائلته.

المشهد الذي تداولته الصور لاحقاً كان صادماً لكل من رآه: شاب مصاب، على سرير العلاج، وقد وُضعت في قدمه أصفاد حديدية وربطت بسرير المستشفى، في سلوك لا يمكن وصفه إلا بأنه انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية قبل أن يكون تجاوزاً قانونياً أو أخلاقياً.

هنا تتوقف الكلمات قليلاً أمام مفارقة قاسية يصعب تجاهلها.

فالعالم كله شاهد خلال الأشهر الماضية كيف تعاملت حماس مع بعض أسرى الاحتلال الإسرائيلي، حيث ظهرت مشاهد تقديم الهدايا والورود، ولقطات الوداع التي أظهرت معاملة إنسانية للمجندات الإسرائيليات أثناء الإفراج عنهن.

لكن في المقابل، نرى اليوم مواطناً من أبناء غزة، مصاباً بطلقات نارية، يُقيَّد بالأصفاد في سرير المستشفى وكأنه مجرم خطير أو أسير حرب.

أي رسالة يريد هذا المشهد أن يوصلها؟
وأي منطق يمكن أن يبرر تحويل المستشفى إلى ساحة استعراض للقوة والسلاح؟

غزة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الخوف، ولا إلى مزيد من البنادق المصوبة نحو صدور أبنائها.
القطاع الذي دفع ثمناً باهظاً من الدم والدمار، يحتاج قبل أي شيء إلى الحد الأدنى من العدالة والكرامة الإنسانية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد المواطن ثقته بأن القانون يحميه، وأن يتحول السلاح من وسيلة يفترض أنها للدفاع عن الشعب إلى أداة تُستخدم في قمعه وإذلاله.

الحوادث التي تتكرر في غزة – من إطلاق نار على مواطنين، واعتداءات، وحالات قتل غامضة – ليست مجرد أخطاء فردية يمكن تجاوزها بالصمت أو التبرير، بل مؤشرات خطيرة على تآكل منظومة العدالة وسيادة القانون.

وما حدث مع محمد أبو عمرة ليس إلا حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الانتهاكات التي يدفع ثمنها المواطن الأعزل.

إن النص القرآني واضح حين يقول:
“أشداء على الكفار رحماء بينهم”.

لكن ما يراه الناس اليوم يطرح سؤالاً موجعاً:
أين الرحمة بين أبناء الشعب الواحد؟
وأين حرمة الإنسان الفلسطيني عندما يصبح الجريح متهماً، والمستشفى سجناً، والسرير الطبي مكاناً للتقييد بالأصفاد؟

القضية هنا ليست قضية شخص واحد، ولا حادثة معزولة يمكن طيّها مع مرور الوقت.
القضية هي كرامة مجتمع كامل يعيش تحت ضغط الحرب والحصار، ولا يحتمل أن يُضاف إلى معاناته ظلم داخلي أو انتهاكات من أي جهة كانت.

من هنا، فإن الصمت لم يعد خياراً.

إن المسؤولية الأخلاقية والإنسانية تفرض على كل صاحب ضمير، وعلى المؤسسات الحقوقية المحلية والدولية، وكذلك الجهات المكلفة بإدارة شؤون غزة، أن تتحرك فوراً للتحقيق في هذه الحادثة ووضع حد لمثل هذه الانتهاكات.

فغزة التي صمدت أمام الحروب لا يجوز أن تنكسر من الداخل.

وغزة التي دفعت آلاف الشهداء لا يجوز أن تتحول فيها كرامة الإنسان إلى تفصيل صغير في ظل سطوة السلاح.

العدالة ليست شعاراً سياسياً، بل هي الحد الأدنى الذي يحتاجه الناس ليشعروا أنهم ما زالوا يعيشون في مجتمع يحترم إنسانيتهم.

أما إذا بقيت مثل هذه الحوادث تمر بلا محاسبة، فإن السؤال سيظل يتردد في كل بيت غزي:

من يحمي المواطن في غزة؟

 

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.