لم يكن السابع من أكتوبر مجرد يوم عابر في تاريخ الصراع، بل تحوّل إلى لحظة كارثية مفصلية دفعت غزة ثمنها باهظًا من دماء أبنائها ودمار مدنها وتشريد أهلها. فمنذ تلك اللحظة المشؤومة، دخل قطاع غزة في واحدة من أشد الكوارث الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث، نتيجة مقامرة سياسية وعسكرية متهورة قادتها حركة حماس دون حسابات واقعية لتداعياتها الكارثية على أكثر من مليوني إنسان يعيشون في هذا الشريط الساحلي الصغير.
لقد كانت المغامرة التي أقدمت عليها حماس أشبه بإلقاء غزة كاملة في أتون النار. لم تكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل خطوة متهورة فتحت أبواب الجحيم على القطاع وأهله، حيث تحولت غزة إلى ساحة حرب مدمرة، تُقصف فيها البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتُدمر فيها الأحياء كاملة، ويُهجّر فيها السكان قسرًا من مناطقهم، فيما تتفاقم المأساة الإنسانية يومًا بعد يوم.
اليوم، وبعد أشهر طويلة من تلك اللحظة المشؤومة، باتت الصورة أكثر وضوحًا وقسوة. آلاف القتلى والجرحى، مدن مدمرة، بنية تحتية منهارة، ومستشفيات عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات. لم تعد غزة كما كانت، بل أصبحت منطقة منكوبة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. مئات آلاف العائلات فقدت بيوتها، وملايين البشر باتوا يعيشون تحت وطأة الجوع والبرد والخوف، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي حلّت بالقطاع.
والأخطر من ذلك أن أكثر من نصف مساحة قطاع غزة أصبحت اليوم تحت سيطرة الاحتلال أو مناطق عسكرية مغلقة، ما يعني عمليًا تقلص المساحة المتاحة للحياة أمام سكان القطاع إلى حد غير مسبوق. هذه الحقيقة المأساوية لم تأتِ من فراغ، بل كانت نتيجة مباشرة لسياسات المقامرة والمغامرة التي انتهجتها قيادة حماس، دون أدنى اعتبار لمصير الناس الذين يعيشون في غزة.
لقد دفعت غزة ثمنًا فادحًا لهذه الحسابات الخاطئة. فبدل أن تكون الأولوية لحماية الناس وتخفيف معاناتهم، جرى الزج بالقطاع في مواجهة مفتوحة بلا أفق سياسي واضح ولا خطة حقيقية لحماية المدنيين أو تقليل الخسائر. وهكذا وجد سكان غزة أنفسهم وحدهم في مواجهة آلة حرب مدمرة، يدفعون الثمن الأكبر من دمائهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
إن الكارثة التي تعيشها غزة اليوم ليست مجرد نتيجة للحرب، بل نتيجة أيضًا لسنوات طويلة من السياسات المغلقة التي احتكرت القرار وأقصت كل صوت ناقد أو معارض. فقد جرى التعامل مع غزة وكأنها ملكية خاصة لمشروع سياسي ضيق، بينما تُرك الناس يواجهون مصيرهم في الفقر والحصار والبطالة، حتى جاء السابع من أكتوبر ليحوّل هذه المعاناة المزمنة إلى مأساة غير مسبوقة.
والحقيقة المؤلمة أن أهل غزة هم من يدفعون دائمًا الثمن الأكبر. فهم ليسوا من قرروا هذه المغامرة، ولم يُستشاروا في تداعياتها، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلب العاصفة. بيوتهم دُمرت، وأطفالهم شُردوا، ومستقبلهم أصبح معلقًا بين الركام والدمار.
اليوم، تقف غزة على حافة كارثة إنسانية وسياسية غير مسبوقة. فالجوع ينتشر، والمساعدات الإنسانية بالكاد تصل، والدمار يطال كل شيء تقريبًا. المدارس تحولت إلى مراكز إيواء، والمستشفيات تعمل فوق طاقتها، والناس يعيشون في ظروف قاسية لا يمكن لأي مجتمع أن يتحملها طويلًا.
إن ما حدث في السابع من أكتوبر سيظل علامة فارقة في تاريخ غزة، ليس فقط بسبب الحدث نفسه، بل بسبب تداعياته الكارثية التي ما زالت تتفاقم حتى الآن. لقد أثبتت التجربة أن القرارات المصيرية التي تُتخذ بعقلية المغامرة والمقامرة لا تقود إلا إلى الكوارث، وأن الشعوب هي دائمًا من يدفع الثمن عندما تتحول السياسة إلى رهانات خطيرة على حساب حياة الناس.
غزة اليوم تحتاج إلى وقفة صادقة وشجاعة مع الذات، وقبل كل شيء تحتاج إلى إعادة الاعتبار لحياة الناس وكرامتهم ومستقبلهم. فالشعارات وحدها لا تبني وطنًا، والمغامرات العسكرية غير المحسوبة لا تصنع تحريرًا، بل قد تفتح أبواب المآسي على شعب أنهكته الحروب والحصار.
لقد دفعت غزة ثمنًا قاسيًا، وربما لم ينتهِ هذا الثمن بعد. لكن الحقيقة التي باتت واضحة للجميع هي أن حماية الناس يجب أن تكون فوق كل الحسابات، وأن أي مشروع سياسي لا يضع حياة البشر في مقدمة أولوياته محكوم عليه بأن يتحول إلى كارثة… تمامًا كما حدث بعد السابع من أكتوبر.