بدنا نعيش

أخبار المقاومة 17 مارس 2026

حرب الرواية… كيف تُستخدم “ورقة المعتقلين” لتضليل الرأي العام وتشويه الحقيقة

حرب الرواية… كيف تُستخدم “ورقة المعتقلين” لتضليل الرأي العام وتشويه الحقيقة

في ظل تصاعد الحملات الإعلامية الممنهجة، عادت بعض المواقع والصفحات المشبوهة المرتبطة بحركة حماس لترويج رواية متكررة مفادها أن “معتقلين سياسيين يتعرضون للتعذيب والحرمان داخل سجون السلطة الوطنية الفلسطينية”. وهي رواية تُطرح بشكل دعائي مكثف، دون تدقيق مهني أو سياق موضوعي، بهدف خلق صورة أحادية تخدم أجندة سياسية واضحة.

لكن عند تفكيك هذه الادعاءات، يتضح أنها تقوم على الانتقائية، التسييس، وتضخيم الوقائع خارج سياقها، بل وتجاهل حقائق أساسية تتعلق بطبيعة المشهد الفلسطيني وتعقيداته.

أولاً: بين الادعاء والواقع… ماذا تقول التقارير؟

لا يمكن إنكار أن أي نظام سياسي أو أمني قد يواجه انتقادات حقوقية، وهذا ينطبق على السلطة الفلسطينية كما ينطبق على غيرها. بالفعل، دعت منظمات مثل منظمة العفو الدولية إلى التحقيق في مزاعم تتعلق بسوء المعاملة وضمان المحاكمات العادلة .

لكن هذه التقارير نفسها لا تدعم الرواية الدعائية التي تروجها تلك الصفحات، لعدة أسباب:

  • هي تتحدث عن “مزاعم” تحتاج تحقيقًا قانونيًا، وليس عن حقائق مثبتة بشكل مطلق أو منهجي.
  • تطالب بالإصلاح والمساءلة، وليس بإدانة شاملة أو تصوير الوضع كمنظومة تعذيب ممنهجة.
  • تندرج ضمن سياق رقابي طبيعي تمارسه المؤسسات الحقوقية في كل دول العالم.

بل إن بعض التقارير تشير بوضوح إلى أن الانتهاكات ليست حكرًا على جهة واحدة، حيث وثّقت منظمات حقوقية انتهاكات على يد أطراف متعددة، بما فيها سلطات مختلفة داخل الساحة الفلسطينية .

ثانياً: التسييس المتعمد… عندما تتحول الحقوق إلى أداة دعاية

المشكلة الحقيقية ليست في وجود تقارير أو انتقادات، بل في كيفية توظيفها.

الصفحات المحسوبة على حماس تمارس عدة أساليب تضليلية واضحة:

1. اجتزاء المعلومات

يتم اقتطاع جملة أو شهادة فردية، وتقديمها كدليل قاطع على “سياسة تعذيب ممنهجة”، بينما الأصل هو أنها ادعاءات فردية قيد التحقيق أو الجدل.

2. تجاهل السياق القانوني

الكثير من الحالات التي يتم تسويقها على أنها “اعتقال سياسي” تتعلق بقضايا أمنية أو قانونية، لكن يتم تغيير توصيفها إعلاميًا لخدمة خطاب سياسي.

3. تضخيم الحالات الفردية

حتى في التقارير التي تتحدث عن حالات محدودة، يتم تحويلها إعلاميًا إلى ظاهرة عامة ممنهجة دون دليل كافٍ.

ثالثاً: ازدواجية الخطاب… صمت عن الانتهاكات الأخرى

أحد أبرز مظاهر التلاعب هو الانتقائية الصارخة في تناول ملف حقوق الإنسان.

فبينما تُضخم هذه الصفحات أي ادعاء ضد السلطة، فإنها تتجاهل أو تتغاضى عن:

  • انتقادات حقوقية طالت جهات أخرى داخل الساحة الفلسطينية.
  • تقارير دولية تتحدث عن انتهاكات في أماكن احتجاز مختلفة، بما فيها خارج إطار السلطة الفلسطينية.

بل إن تقارير حقوقية دولية أشارت إلى وجود انتهاكات متعددة الأطراف، وهو ما يؤكد أن الملف الحقوقي لا يمكن اختزاله في رواية سياسية واحدة .

رابعاً: الهدف الحقيقي… ضرب الثقة وتشويه المؤسسات

الحملة الإعلامية حول “تعذيب المعتقلين” لا يمكن فصلها عن سياقها السياسي. الهدف ليس الدفاع عن حقوق الإنسان بقدر ما هو:

  • تقويض ثقة المواطن الفلسطيني بمؤسساته الرسمية
  • تشويه صورة السلطة دوليًا
  • خلق حالة من الفوضى والاحتقان الداخلي

وهذا ما يفسر الإصرار على تقديم رواية سوداء مطلقة، دون الاعتراف بأي إصلاحات أو آليات رقابة أو مسارات قانونية قائمة.

خامساً: بين النقد المشروع والدعاية المغرضة

من المهم التمييز بين أمرين:

  • النقد الحقوقي المشروع: وهو ضروري ويهدف إلى تحسين الأداء وضمان العدالة.
  • الدعاية السياسية المغرضة: التي تستخدم حقوق الإنسان كأداة صراع وتشويه.

ما تروج له هذه الصفحات يقع بوضوح في الخانة الثانية، لأنه:

  • يتجاهل المعايير المهنية
  • يفتقر للتوازن
  • يوظف المعاناة الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية

إن الادعاءات التي تروجها بعض المنصات المرتبطة بحماس حول “تعذيب المعتقلين في سجون السلطة” ليست سوى جزء من حرب إعلامية منظمة، تعتمد على تحريف الوقائع، انتقاء المعلومات، وتسييس الملف الحقوقي.

الحقيقة أكثر تعقيدًا:
نعم، هناك انتقادات وملاحظات حقوقية يجب التعامل معها بجدية، لكن تحويلها إلى رواية دعائية مطلقة هو تضليل للرأي العام، وإساءة لضحايا الانتهاكات الحقيقيين قبل غيرهم.

وفي النهاية، يبقى المعيار الحقيقي هو:
**الالتزام بالحقائق، لا بالشعارات… وبالعدالة، لا بالدعاية.**

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.