بدنا نعيش

أخبار المقاومة 19 مارس 2026

العيد في غزة… حين يُختطف الفرح تحت ركام المغامرات السياسية

العيد في غزة… حين يُختطف الفرح تحت ركام المغامرات السياسية

يأتي العيد هذا العام على قطاع غزة مثقلاً بوجعٍ لا يُحتمل، وكأن الزمن توقف عند لحظة الانفجار الكبير في السابع من أكتوبر وما قامت به حركة حم$$اس من مقامرة كارثية، تلك اللحظة التي لم تكن مجرد حدث عابر، بل تحوّلت إلى نقطة فاصلة أعادت رسم ملامح الحياة في القطاع—بل محتها إلى حدٍ كبير. وبينما يحتفل العالم ببهجة العيد، يقف الغزيون على أطلال بيوتهم، يبحثون عن معنى للفرح وسط الخراب، وعن ملامح حياةٍ سُلبت منهم بلا رحمة.

لم يكن ما جرى مجرد تصعيد عسكري تقليدي، بل مقامرة سياسية كبرى دفعت ثمنها غزة وحدها. قرارٌ اتُّخذ دون حسابات واقعية لتبعاته، أو ربما بحسابات ضيقة لا ترى الإنسان الفلسطيني إلا رقماً في معادلة الصراع. النتيجة كانت كارثية: دمار هائل طال كل شيء—البيوت، البنية التحتية، المستشفيات، المدارس—والأهم من ذلك، الإنسان نفسه.

مئات الآلاف من الضحايا ما بين شهيد وجريح وأسير، وملايين اللحظات الإنسانية التي تحولت إلى مآسٍ يومية. عائلات كاملة مُسحت من السجل المدني، وأحياء بأكملها اختفت من الخريطة. أما الناجون، فقد وجدوا أنفسهم في مواجهة واقع أكثر قسوة من الموت ذاته: نزوح جماعي، فقر مدقع، نقص حاد في الغذاء والدواء، وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة.

في مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن العيد أقرب إلى المفارقة المؤلمة. كيف يمكن لأسرة فقدت أبناءها أن تحتفل؟ كيف يمكن لطفل بلا مأوى أن يشعر ببهجة العيد؟ وكيف يمكن لشعبٍ بأكمله أن يتجاوز صدمة بهذا الحجم بينما الجراح لا تزال مفتوحة، والكارثة مستمرة؟

المشهد في غزة اليوم يكشف بوضوح حجم الفجوة بين الشعارات والواقع. سنوات من الخطاب التعبوي والمزايدات السياسية لم تُفضِ إلا إلى تعميق معاناة الناس. بل إن الكارثة الحالية تطرح أسئلة حادة حول طبيعة القرارات التي تُتخذ باسم الشعب، ومن يتحمل مسؤولية هذا الانهيار الشامل.

الأخطر من ذلك أن هذه المأساة لم تكن فقط نتيجة العدوان الخارجي، بل أيضاً نتيجة غياب رؤية استراتيجية حقيقية تُقدّم مصلحة الإنسان الفلسطيني على حسابات القوة والسيطرة. فحين تتحول غزة إلى ساحة مفتوحة للمغامرات، يصبح سكانها أول الضحايا—دائماً.

ورغم كل هذا السواد، لا يزال الفلسطيني في غزة يتمسك بخيط رفيع من الأمل. ليس أملاً سياسياً أو شعاراتياً، بل أملاً بسيطاً في حياة كريمة، في بيت آمن، في مستقبل لأطفاله. هذا الأمل، رغم ضعفه، هو ما يُبقي غزة واقفة حتى الآن.

العيد في غزة لم يعد مناسبة للفرح، بل تحوّل إلى لحظة تأمل قاسية في حجم الخسارة. ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: هل تكون هذه الكارثة نقطة مراجعة حقيقية، أم أنها مجرد فصل آخر في سلسلة طويلة من الألم؟

غزة لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى مراجعة شجاعة، وقرارات مسؤولة، تُعيد الاعتبار للإنسان قبل أي شيء آخر. لأن الأوطان لا تُبنى بالمغامرات، بل بالحكمة… ولا تُحمى بالشعارات، بل بحماية أهلها أولاً.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.