في قطاع غزة، لم تعد الشعارات مجرد عبارات تُرفع في المناسبات أو تُردد في الخطب، بل تحولت – في كثير من الأحيان – إلى أدوات تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع وفق رواية واحدة لا تقبل النقاش. ومن بين أكثر هذه الشعارات إثارة للجدل ذلك الذي يُرفع باسم “حماية أمن المقاومة”، وهو شعار يبدو في ظاهره دفاعيًا، لكنه في ممارسته اليومية يثير تساؤلات عميقة حول حدوده، واستخداماته، والجهة التي تدفع ثمنه الحقيقي.
فعلى الأرض، تتقاطع شهادات متعددة من داخل القطاع حول ممارسات تتخذ من هذا الشعار غطاءً لتقييد الحريات العامة، وملاحقة الأصوات المعارضة، وتضييق مساحة النقد. فكل رأي خارج عن الخط المرسوم قد يُصنّف سريعًا باعتباره تهديدًا للأمن، وكل اعتراض على السياسات القائمة قد يُعاد تأويله كخدمة “لأجندات خارجية”. وبهذا، يتحول الشعار من وسيلة لحماية المجتمع إلى أداة للهيمنة عليه.
المفارقة أن “أمن المقاومة”، الذي يُفترض أن يكون جزءًا من منظومة حماية المجتمع، يُستخدم أحيانًا في مواجهة هذا المجتمع نفسه. فبدل أن يكون المواطن شريكًا في الصمود، يجد نفسه تحت رقابة دائمة، يخشى التعبير، ويتجنب النقاش، ويحسب كلماته بدقة، خوفًا من أن تُفسر خارج سياقها. وهنا، يُطرح السؤال الجوهري: من الذي يحتاج إلى الحماية؟ المقاومة أم المواطن؟
إن الإشكالية لا تكمن في مبدأ الحفاظ على الأمن، فهذا حق مشروع لأي كيان سياسي أو عسكري، بل في التوسع غير المحدود في تعريف “التهديد”. حين يصبح النقد تهديدًا، والرأي المختلف خطرًا، والشكوى مؤامرة، فإننا لا نكون أمام حالة أمنية طبيعية، بل أمام بيئة مغلقة تُدار بمنطق الشك لا الثقة.
وفي ظل هذا الواقع، تتعمق فجوة الثقة بين السلطة الحاكمة والشارع. فالمواطن الذي يعاني من أزمات معيشية خانقة – من بطالة وفقر وانقطاع خدمات – لا يرى في هذه الشعارات حلولًا، بل يراها أحيانًا محاولة لتأجيل الاستحقاقات الحقيقية. إذ كيف يمكن إقناع الناس بأن الأولوية المطلقة هي “الأمن”، بينما حياتهم اليومية تزداد صعوبة، وأفقهم الاقتصادي يضيق؟
الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يُنتج حالة من “بيع الوهم”، حيث يُطلب من الناس الصبر والتضحية باسم معركة مفتوحة بلا أفق زمني واضح، وبلا مساءلة حقيقية. يُقال لهم إن كل تضييق هو ضرورة، وكل إجراء استثنائي هو مؤقت، لكن المؤقت يطول، والاستثناء يتحول إلى قاعدة.
كما أن توظيف هذا الشعار بهذه الطريقة يضعف أي إمكانية لبناء نموذج وطني جامع، قائم على التعددية والشراكة. فالمجتمعات لا تُبنى بالخوف، ولا تُدار بالإقصاء، بل بالثقة، والمشاركة، والشفافية. وعندما تُغلق الأبواب أمام النقد، فإن الأخطاء لا تُصحح، بل تتراكم.
لا يمكن إنكار التعقيدات الأمنية والسياسية التي يعيشها قطاع غزة، ولا حجم الضغوط الخارجية، لكن ذلك لا يبرر تحويل الداخل إلى مساحة صامتة. فالقوة الحقيقية لأي مشروع سياسي لا تقاس فقط بقدرته على المواجهة، بل بقدرته على احتواء شعبه، والاستماع إليه، واحترام حقه في السؤال والمحاسبة.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لشعار “حماية أمن المقاومة” أن يستمر كغطاء لكل شيء؟ أم أن اللحظة تقتضي إعادة تعريف هذا المفهوم، بحيث يكون في خدمة الناس، لا على حسابهم؟
غزة لا تحتاج إلى شعارات أكبر، بل إلى واقع أكثر عدلًا. ولا تحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى مساحة أوسع للحقيقة.