في واحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب في سياق الحرب على غزة، تفجّرت اتهامات خطيرة تطال ما يُعرف بـ«وقف الأمة»، المؤسسة التي قدّمت نفسها كواجهة خيرية لدعم الفلسطينيين، قبل أن تتحول – وفق تقارير وشهادات متقاطعة – إلى نموذج صارخ لاستغلال الكارثة الإنسانية في تحقيق مكاسب مالية وتنظيمية.
القضية لا تتعلق فقط بأموال مفقودة، بل بانهيار الثقة في واحدة من أهم أدوات الدعم الشعبي لغزة: التبرعات.
مع تصاعد الحرب على غزة، اندفعت موجة تضامن غير مسبوقة من العالم العربي والإسلامي. ملايين الدولارات تدفقت عبر حملات رقمية ومنصات إعلامية ومؤتمرات جماهيرية، كان أبرزها تلك التي قادتها «وقف الأمة»، والتي وُصفت بأنها واحدة من أضخم حملات جمع التبرعات خلال الأزمة.
لكن خلف هذا المشهد العاطفي، كانت هناك ماكينة مالية تعمل بكفاءة عالية، ليس لإغاثة غزة فقط – كما قيل – بل لإدارة تدفقات مالية ضخمة في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الشفافية.
تشير تقارير إعلامية إلى أن الحملة الأخيرة وحدها مرّ عبرها ما يقارب نصف مليار دولار خلال فترة قصيرة، دون وجود بيانات تدقيق أو تقارير واضحة حول أوجه الصرف .
اللافت أن الشرارة الأولى لم تأتِ من خصوم سياسيين، بل من داخل الدوائر القريبة من حركة حماس نفسها.
في يناير 2024، أصدرت الحركة بيانًا أعلنت فيه “رفع الغطاء” عن عدة مؤسسات، بينها «وقف الأمة»، متهمة إياها بالاستيلاء على التبرعات وعدم إيصالها إلى مستحقيها .
تزامن ذلك مع تسريبات ومنشورات لناشطين محسوبين على الحركة، تحدثوا عن فساد مالي واسع، ما فتح الباب أمام جدل غير مسبوق داخل الأوساط الإسلامية ذاتها.
هذه ليست مجرد اتهامات سياسية عابرة، بل تفكك داخلي يكشف حجم الصراع على المال والنفوذ.
التحقيقات والتقارير تشير إلى أن «وقف الأمة» لم تكن مجرد جمعية محلية، بل جزء من شبكة أوسع تمتد بين تركيا والأردن وأوروبا، تُدار عبر شخصيات مرتبطة بتنظيم الإخوان.
هذه الشبكة – بحسب مراقبين – كانت:
بمعنى آخر، نحن أمام اقتصاد ظلّ إنساني، لا يخضع لرقابة، ولا يقدم حسابًا.
السؤال الأكثر إلحاحًا: ماذا حدث لنصف مليار دولار؟
لا توجد إجابة رسمية واضحة حتى الآن، لكن المؤشرات التي ظهرت ترسم صورة مقلقة:
والأخطر من ذلك، أن بعض الشهادات تحدثت عن أن مشاريع معلنة لم تكن موجودة أصلاً على الأرض.
في غزة، حيث الحاجة لكل دولار، كانت الصدمة مضاعفة.
فالتبرعات التي جاءت من الفقراء قبل الأغنياء، ومن المغتربين قبل الحكومات، تحولت – وفق هذه الروايات – إلى مصدر ثراء مفاجئ للبعض.
وتحدث باحثون عن انهيار الثقة في جمع التبرعات الخارجية، حيث بات كثير من الناس يشككون في أي حملة تُطلق باسم غزة، بعد هذه الفضيحة .
البعض يرى أن ما جرى ليس مجرد فساد مالي، بل صراع داخلي على السيطرة على المال السياسي.
فوفق تحليلات، كانت هذه المؤسسات جزءًا من شبكة تمويل مرتبطة بحماس نفسها، قبل أن يحدث الخلاف حول إدارة الأموال وتوزيعها، ما أدى إلى الانفجار العلني .
بمعنى آخر:
القضية قد تكون أقل “فضيحة مفاجئة”، وأكثر “خلاف على تقاسم الغنيمة”.
القاسم المشترك في كل ما سبق هو غياب الشفافية:
هذا الفراغ سمح بتحويل العمل الخيري إلى صندوق أسود، تُدار داخله مئات الملايين بعيدًا عن أي مساءلة حقيقية.
فضيحة «نصف مليار دولار» ليست مجرد رقم صادم، بل قصة عن كيف يمكن أن تتحول القضايا العادلة إلى أدوات استغلال.
هي قصة عن:
وفي النهاية، يبقى السؤال الأخطر:
كم من الأموال التي جُمعت باسم غزة وصلت فعلاً إلى غزة؟
الإجابة، حتى الآن، لا تزال غائبة
وربما هذا هو جوهر الفضيحة