بدنا نعيش

أخبار المقاومة 23 مارس 2026

حين تتحول فلسطين إلى شعار: قراءة في خطاب إيران ومأزق المتاجرة بالقضية

حين تتحول فلسطين إلى شعار: قراءة في خطاب إيران ومأزق المتاجرة بالقضية

في كل مرة تتصاعد فيها التوترات في المنطقة، تعود فلسطين لتتصدر الخطاب السياسي والإعلامي لدى أطراف إقليمية متعددة، وعلى رأسها إيران. تصريحات متكررة، شعارات عالية السقف، ورسائل موجهة “للشعوب” أكثر مما هي موجهة لصناعة تغيير حقيقي على الأرض. آخر هذه الموجات جاءت عبر رسالة مصورة لمتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني، يؤكد فيها أن إيران لا تدافع عن نفسها فحسب، بل عن فلسطين والقضية الفلسطينية.

ظاهريًا، يبدو هذا الخطاب داعمًا، بل ومتناغمًا مع مشاعر شعب يعيش تحت الاحتلال والقصف والحصار. لكن عند التوقف قليلًا أمام هذا النوع من التصريحات، تتكشف فجوة واسعة بين القول والفعل، بين الخطاب والواقع، وبين الشعارات والالتزامات الحقيقية.

فلسطين في الخطاب… لا في الفعل

السؤال الذي يطرحه كثير من الفلسطينيين اليوم ليس سؤالًا عاطفيًا، بل سياسي بامتياز:
إذا كانت فلسطين في صلب هذه “المعركة”، فأين ينعكس ذلك عمليًا؟

خلال واحدة من أعنف الحروب التي شهدها قطاع غزة، حيث تعرضت المدن للتدمير الممنهج وسقط عشرات الآلاف من الضحايا بين شهيد وجريح ونازح، لم يظهر أي تحول نوعي في قواعد الاشتباك الإقليمي يمكن أن يترجم هذا “الدفاع عن فلسطين”. لم تُستخدم القدرات التي يتم التلويح بها إعلاميًا، ولم يتم فرض معادلات جديدة توقف النزيف.

هذا التناقض لا يمكن تجاهله. فالدعم الحقيقي لا يُقاس بحجم الخطابات، بل بمدى التأثير الفعلي في مجريات الأحداث.

أسئلة محرجة… وإجابات معروفة

الرسالة الإيرانية تفتح بابًا لأسئلة جوهرية، ربما تكون أكثر إزعاجًا من أي اتهام مباشر:

  • هل يعني هذا الخطاب التزامًا واضحًا بعدم القبول بأي وقف لإطلاق النار دون إنهاء الاحتلال؟
  • هل ستربط إيران أي مفاوضات إقليمية بملف غزة بشكل صريح وفعلي؟
  • هل ستجعل من انسحاب الاحتلال شرطًا أساسيًا في أي تسوية تدعمها أو تنخرط فيها؟

الإجابة التي يدركها كثيرون، وإن لم تُقال صراحة، هي: لا.

لأن الواقع السياسي يثبت أن أولويات الدول تُبنى على مصالحها القومية أولًا، لا على الشعارات. وإيران، كغيرها من القوى الإقليمية، تدير صراعاتها وفق حسابات النفوذ والتوازنات، لا وفق التزامات أخلاقية تجاه قضايا خارج حدودها.

ازدواجية الخطاب: بين “الدعم” والاستثمار السياسي

المشكلة لا تكمن في أن دولة ما تدافع عن مصالحها — فهذا سلوك طبيعي في العلاقات الدولية — بل في محاولة تغليف هذه المصالح بعباءة “الدفاع عن فلسطين”.

حين تتحول القضية الفلسطينية إلى أداة في خطاب سياسي، فإنها تفقد جزءًا من حقيقتها، وتُختزل إلى ورقة ضغط أو وسيلة تعبئة جماهيرية. وهنا تكمن الخطورة.

فبدل أن تكون فلسطين قضية تحرر وطني لشعب يسعى للحرية، تتحول إلى “رمز” يُستخدم في صراعات الآخرين، دون أن يكون لهذا الاستخدام أي أثر ملموس على معاناة الفلسطينيين اليومية.

الفلسطيني ليس أداة

الصوت الذي عبّر عنه الناشط أمجد أبو كوش يعكس حالة متزايدة من الوعي والغضب في الشارع الفلسطيني. لم يعد مقبولًا أن يُخاطب الفلسطيني وكأنه متلقٍ سلبي للشعارات، أو كطرف يمكن استحضاره عند الحاجة الإعلامية فقط.

الفلسطيني اليوم يسأل بوضوح:

  • ماذا قدمتم فعليًا؟
  • أين تتجلى هذه “الدفاعات” على أرض الواقع؟
  • ولماذا تُستخدم معاناتنا كجزء من معركة لا نملك قرارها؟

هذه الأسئلة لا تعني رفض الدعم، بل تعني رفض التلاعب بالمشاعر، ورفض تحويل الألم إلى مادة دعائية.

ما بين الحقيقة والوهم

الواقع يقول إن أي تغيير حقيقي في مسار القضية الفلسطينية لن يأتي من خطابات إعلامية، ولا من رسائل مصورة، بل من مواقف سياسية واضحة، وضغوط فعلية، وتكلفة حقيقية تتحملها الأطراف التي تدّعي الدعم.

أما الاكتفاء بالكلمات، فهو لا يوقف حربًا، ولا يعيد بيتًا دُمّر، ولا ينقذ طفلًا من تحت الأنقاض.

 كفى متاجرة

القضية الفلسطينية ليست منصة خطاب، ولا ورقة تفاوض، ولا شعارًا للاستهلاك الإعلامي. هي قضية شعب يُقتل ويُهجّر ويُحاصر يوميًا.

ومن هنا، فإن أكثر ما يثير الغضب ليس غياب الدعم، بل الادعاء بوجوده دون دليل.
ليس الصمت، بل الضجيج الفارغ.

ربما يكون من الصدق — بل من الحد الأدنى من الاحترام — أن تتوقف الأطراف الإقليمية عن الحديث باسم الفلسطينيين، وأن تترك لهم حق تعريف قضيتهم، بدل تحويلها إلى جزء من سرديات لا تعكس واقعهم.

في النهاية، لا يحتاج الفلسطيني إلى من يتحدث باسمه… بقدر ما يحتاج إلى من يثبت، بالفعل لا بالقول، أنه يقف إلى جانبه.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.