في لحظة سياسية مفصلية، تتجه الأنظار نحو الانتخابات البلدية الفلسطينية المقررة في 25 أبريل 2026، والتي تمثل فرصة نادرة لإعادة إحياء الحياة الديمقراطية في الضفة الغربية وقطاع غزة، بعد سنوات طويلة من الجمود والانقسام.
لكن هذه اللحظة، بدل أن تُستثمر لتعزيز الإرادة الشعبية، أصبحت هدفًا لحملات تحريض ممنهجة تقودها منصات إعلامية مشبوهة مرتبطة بحركة حماس، في مشهد يعكس بوضوح أزمة عميقة مع مفهوم الديمقراطية ذاته.
الانتخابات البلدية ليست مجرد إجراء إداري، بل تمثل حجر الزاوية في أي نظام سياسي يسعى إلى الشرعية الشعبية. فبعد سنوات من تعطّل المؤسسات التشريعية وتآكل الثقة في النظام السياسي، تسعى السلطة الفلسطينية إلى إعادة بناء المسار الديمقراطي عبر سلسلة انتخابات تبدأ بالمجالس المحلية وصولًا إلى الاستحقاقات العامة.
هذه الانتخابات، التي تشمل مئات الهيئات المحلية وآلاف المقاعد، تعكس محاولة جدية لإعادة الاعتبار لصوت المواطن الفلسطيني، وتكريس مبدأ التداول السلمي للسلطة.
في المقابل، تنشط مواقع وصفحات إعلامية محسوبة على حركة حماس في بث روايات مشككة، وتحريض مباشر وغير مباشر ضد إجراء الانتخابات.
هذا الخطاب لا يقتصر على نقد سياسي مشروع، بل يتجاوز ذلك إلى:
هذه الأدوات ليست جديدة، لكنها اليوم تأتي في سياق أكثر حساسية، حيث يتقاطع التحريض الإعلامي مع حسابات سياسية تسعى إلى تعطيل أي مسار لا يخدم مصالح تنظيمية ضيقة.
اللافت في هذا المشهد أن جوهر التحريض يكشف عن إشكالية أعمق: الخوف من الاحتكام إلى الإرادة الشعبية.
ففي التجارب السابقة، ارتبط موقف حركة حماس من الانتخابات بحسابات سياسية متغيرة، وصلت أحيانًا إلى المقاطعة أو الاشتراطات المسبقة، كما حدث في انتخابات سابقة حين ربطت مشاركتها بتحقيق شروط سياسية معينة.
اليوم، ومع وجود تعديلات قانونية تتطلب الالتزام بمنظمة التحرير وبرنامجها السياسي، تصاعدت حدة الرفض، وسط اتهامات متبادلة بشأن الإقصاء، في حين يرى مراقبون أن هذه الشروط تهدف إلى ضبط الإطار السياسي للعملية الانتخابية.
لكن بعيدًا عن الجدل القانوني، يبقى السؤال الجوهري:
لماذا يُخشى من صندوق الاقتراع إذا كان يعكس إرادة الناس؟
الإعلام، في الحالة الفلسطينية، لم يعد مجرد ناقل للخبر، بل تحول لدى بعض الأطراف إلى أداة تعبئة وتحريض.
المواقع المشبوهة التي تقود هذه الحملات لا تعمل بمعايير مهنية، بل وفق أجندات واضحة تهدف إلى:
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: تحويل الوعي الجمعي إلى ساحة معركة، يتم فيها تشويه الحقائق وتزييف الإدراك العام.
ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف سياسي حول انتخابات بلدية، بل هو اختبار حقيقي لمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.
إما أن تنتصر فكرة الدولة والمؤسسات والاحتكام للشعب،
أو يستمر منطق الهيمنة وفرض الأمر الواقع ورفض الشراكة.
التحريض ضد الانتخابات، أيًا كان مبرره، يضع أصحابه في مواجهة مباشرة مع أحد أبسط مبادئ العمل السياسي: الاحتكام إلى الناس.
المعركة اليوم ليست فقط على صناديق الاقتراع، بل على وعي الناخب الفلسطيني نفسه.
بين خطاب يدعو للمشاركة وبناء المؤسسات، وخطاب آخر يسعى لإفشال العملية برمتها، يقف المواطن أمام خيار واضح:
وفي ظل هذا المشهد، يصبح الدفاع عن الانتخابات ليس دفاعًا عن جهة سياسية، بل دفاعًا عن حق أساسي:
حق الشعب في أن يختار.