في زمنٍ تختلط فيه الحقائق بالدعاية، وتتحول فيه منصات مشبوهة إلى أدوات للتحريض والتشويه، يبرز اسم الناشطة الفلسطينية شهد الشرفا كواحد من الأصوات الحرة التي دفعت ثمن مواقفها جرأةً واستقلالًا. الهجمة التي تتعرض لها اليوم ليست حدثًا عابرًا، بل حلقة جديدة في مسلسل قديم يستهدف كل من يرفض الاصطفاف الأعمى، ويصرّ على أن يكون ولاؤه الأول للإنسان الفلسطيني، لا لأي تنظيم أو أيديولوجيا.
ما تتعرض له شهد ليس “اختلافًا في الرأي” كما يحاول البعض تصويره، بل حملة منظمة تستخدم منصات إعلامية وصفحات رقمية لتشويه صورتها ووصمها بتهم جاهزة مثل “معاداة المقاومة”. هذه الاتهامات تتكرر بحق كل صوت يخرج عن السردية الواحدة، خصوصًا عندما يسلّط الضوء على معاناة الناس في غزة أو ينتقد الأداء السياسي لأي جهة.
بعض هذه المنصات ذهبت بعيدًا في التحريض، مقدمة روايات مشوهة عنها، ومستخدمة لغة تخوين واضحة، رغم أن ظهورها الإعلامي وتصريحاتها تؤكد أنها تتحدث من واقع إنساني ومعيشي داخل غزة، وتدعو إلى رؤية تضع الإنسان أولًا .
شهد الشرفا ليست شخصية بعيدة عن الواقع الغزي، بل هي ابنة هذا الواقع بكل ما فيه من ألم وتعقيد. هي تتحدث من داخل بيئة تعاني من حصار، حرب، وانقسام سياسي، وتعبّر عن وجع الناس الذين سُحقت حياتهم بين صراعات القوى.
خطابها لم يكن يومًا ضد القضية الفلسطينية، بل ضد تسييس معاناة الناس، وضد تحويل غزة إلى ساحة صراع دائم دون أفق حقيقي للحياة الكريمة. وهذا ما تؤكده كلماتها التي شددت فيها على أن الإنسان الفلسطيني هو القيمة الأعلى، وأن غزة بحاجة إلى رؤية جديدة تضع كرامة الإنسان في المقدمة .
أخطر ما في هذه الحملات هو محاولة تكريس معادلة خطيرة:
إما أن تصمت… أو تُتَّهَم بالخيانة.
هذه المعادلة تهدف إلى إسكات أي نقد داخلي، وتحويل الفضاء العام إلى مساحة مغلقة لا يُسمع فيها إلا صوت واحد. لكن الحقيقة التي يحاولون طمسها هي أن النقد هو جزء أصيل من أي مجتمع حي، وأن الدفاع عن الناس لا يتناقض مع دعم القضية، بل هو جوهرها الحقيقي.
شهد الشرفا، كغيرها من الأصوات الحرة، تمارس حقها الطبيعي في التعبير، وتطرح تساؤلات مشروعة حول الواقع، وهو حق لا يمكن مصادرته تحت أي ذريعة.
المفارقة أن من يهاجم شهد باسم “الدفاع عن المقاومة” يتجاهل أن الدفاع الحقيقي عن غزة يبدأ بالدفاع عن أهلها، عن حقهم في الحياة، في الكرامة، في الأمان. فهل يصبح الحديث عن معاناة الناس جريمة؟ وهل تتحول المطالبة بحياة أفضل إلى تهمة؟
إن تحويل أي صوت إنساني إلى هدف للتخوين لا يخدم إلا مزيدًا من الانقسام، ويعمّق الفجوة بين الناس والقوى السياسية، ويغذي حالة الإحباط التي يعيشها الشارع الفلسطيني.
ما يجري ضد شهد الشرفا هو جزء من معركة أكبر: معركة السيطرة على الوعي.
حيث تُستخدم الشائعات، والتضليل، وحملات التشهير، لإعادة تشكيل صورة الأشخاص وفق أجندات سياسية ضيقة.
لكن هذه المعركة لم تعد سهلة كما كانت، فالجمهور بات أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الصوت الحقيقي والصوت المصطنع.
شهد الشرفا ليست “عدوًا”، بل مواطنة فلسطينية تجرأت على قول ما يشعر به كثيرون ولا يملكون الشجاعة للتعبير عنه. الهجوم عليها يكشف أزمة أعمق: أزمة قبول الرأي الآخر.
إن الدفاع عن شهد اليوم ليس دفاعًا عن شخص، بل عن مبدأ:
أن يكون للفلسطيني الحق في أن يتكلم دون أن يُخوَّن.
وفي زمن الضجيج، تبقى الحقيقة واضحة:
الأصوات التي تُهاجَم بشراسة… غالبًا هي الأقرب لوجع الناس.