بدنا نعيش

أخبار المقاومة 28 مارس 2026

سياسة بلا بوصلة: كيف قادت قرارات حماس غزة إلى طريق مسدود؟

سياسة بلا بوصلة: كيف قادت قرارات حماس غزة إلى طريق مسدود؟

في لحظة تاريخية تتكثّف فيها المآسي وتتشابك فيها الحسابات، يصبح السؤال المؤلم مشروعاً: إلى متى تستمر حركة حماس في إدارة المشهد في غزة بهذه الطريقة التي تبدو—بنتائجها لا بشعاراتها—عبئاً إضافياً على القضية الفلسطينية وأهلها؟

السياسة، كما تقول القاعدة الصلبة، لا تُقاس بالنوايا بل بالمآلات. وما نراه اليوم على أرض غزة ليس مجرد نتيجة حرب عابرة، بل حصيلة تراكمات من قرارات لم تُخضع لاختبار الواقع ولا لموازين القوى. من هنا، يصبح من الضروري تفكيك المشهد بعيداً عن الضجيج العاطفي، والاقتراب من جوهر الأزمة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُرى.

واقع مأزوم بلا أفق

عند قراءة المعطيات الميدانية والسياسية، تتضح صورة قاتمة:

  • لا مؤشرات حقيقية على تغيير بنية الحكم في غزة.
  • لا إرادة دولية واضحة لتحمّل مسؤولية القطاع أو إعادة ترتيبه.
  • لا انسحاب إسرائيلي يلوح في الأفق القريب.
  • لا بيئة آمنة أو مستقرة تسمح بإعادة إعمار جادة.
  • ولا مساحة إعلامية كافية لكشف ما يحدث بعيداً عن الرقابة والتوجيه.

في المقابل، تصر قيادة حماس على الاحتفاظ بالسلاح كخيار وحيد، دون تقديم مشروع سياسي قابل للحياة أو رؤية واضحة للخروج من المأزق. وهنا تحديداً تتشكل معادلة قاسية: حصار ممتد، دمار متراكم، وانسداد كامل في الأفق.

مفارقة تصب في مصلحة الخصم

الأخطر من ذلك هو المفارقة التي لا يمكن تجاهلها: النتائج على الأرض تبدو متماهية—ولو بشكل غير مباشر—مع ما يسعى إليه بنيامين نتنياهو. فغزة اليوم:

  • ضعيفة اقتصادياً،
  • محاصرة سياسياً،
  • منهكة اجتماعياً،
  • وغير قادرة على إعادة بناء ذاتها.

هذه الحالة لا تخدم مشروع التحرر، بل تعيد إنتاج واقع هش يُستخدم لتبرير سياسات أكثر تشدداً من الجانب الإسرائيلي، وتُضعف في الوقت ذاته الموقف الفلسطيني أمام المجتمع الدولي.

أزمة إدارة لا أزمة شعار

المشكلة لم تكن يوماً في مفهوم “المقاومة” بحد ذاته، بل في كيفية إدارة هذه المقاومة سياسياً واستراتيجياً. حين تتحول المقاومة إلى أداة بلا رؤية، أو إلى خطاب يُستخدم لتخدير الشارع بدل مصارحته، فإنها تفقد معناها وتتحول—بفعل سوء الإدارة—إلى عنصر إرباك داخلي.

إدارة الصراع لا تعني فقط إطلاق النار، بل تعني:

  • قراءة دقيقة لموازين القوى،
  • تقدير الكلفة الإنسانية،
  • بناء تحالفات سياسية،
  • وتحديد أهداف قابلة للتحقيق.

غياب هذه العناصر يحوّل أي فعل، مهما كانت دوافعه، إلى خطوة قد تخدم خصمك أكثر مما تضره.

غزة… ضحية القرار بقدر ما هي ضحية الحرب

اليوم، لم تعد غزة فقط ضحية آلة الحرب، بل أيضاً ضحية قرارات لم تُحسب نتائجها بشكل كافٍ. المواطن الغزي يدفع الثمن مضاعفاً: من دمار الحرب، ومن انسداد الأفق السياسي، ومن واقع داخلي لا يسمح حتى بالمساءلة أو النقد.

وفي ظل غياب مراجعة حقيقية، تبقى الحلقة المفرغة مستمرة: تصعيد → دمار → حصار → إعادة إنتاج نفس الظروف → تصعيد جديد.

الخلاصة: الحاجة إلى مراجعة شجاعة

اللحظة الراهنة تتطلب شجاعة سياسية، لا شعارات. مراجعة جادة لا تهدف إلى جلد الذات، بل إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه. القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأبقى من أي سلطة، وأقدس من أن تُدار بمنطق المغامرة أو الحسابات الضيقة.

إن لم تُكسر هذه الحلقة، فإن غزة ستبقى رهينة معادلة قاسية: تُدمر باسم المقاومة، وتُترك لإعادة الإعمار بلا مقاومات حقيقية على الأرض سوى صمود أهلها.

وهنا، السؤال لا يعود فقط: ماذا تريد حماس؟
بل يصبح: إلى متى يبقى الشعب الفلسطيني أسير نتائج لا تشبه تضحياته؟

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.