في مشهد بات يتكرر بشكل مفضوح، تواصل منصات إعلامية وصفحات مشبوهة محسوبة على حركة حماس ضخ سيل من الشائعات حول ما يُسمّى بـ”الاعتقال السياسي” في الضفة الغربية، في محاولة مكشوفة لتزييف الوعي الفلسطيني، وتحويل الأنظار عن واقع أكثر قسوة تعيشه غزة تحت حكم الحركة.
هذه الحملة الإعلامية ليست بريئة، ولا عفوية، بل تندرج ضمن استراتيجية قديمة تقوم على تصدير الأزمات الداخلية إلى الخارج، وصناعة عدو إعلامي بديل كلما اشتدت الضغوط على الحركة في الداخل.
ليس جديداً على الساحة الفلسطينية تبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية، لكن اللافت أن ماكينة حماس الإعلامية تعتمد بشكل متكرر على سلاح “الإشاعة” كأداة رئيسية.
فقد سبق أن اتُهمت الحركة بإثارة أخبار مضللة حول الاعتقالات في الضفة، وهو ما نفته الأجهزة الأمنية الفلسطينية، مؤكدة أن التوقيف يتم وفق القانون وليس على خلفية الرأي السياسي .
وفي المقابل، تظهر الوقائع أن هذا الخطاب الإعلامي يتصاعد تحديداً في اللحظات التي تتعرض فيها حماس لانتقادات داخلية أو أزمات سياسية وإنسانية في غزة، ما يعزز فرضية استخدام “الضفة” كمنصة للهروب من المساءلة.
الواقع في غزة لا يحتاج إلى كثير من التفسير:
أزمات معيشية خانقة، تضييق على الحريات، وتوتر داخلي متصاعد. وفي ظل هذا المشهد، تلجأ بعض المنصات التابعة لحماس إلى تضخيم أو اختلاق روايات عن الضفة الغربية بهدف خلق حالة من “التوازن الوهمي”.
هذه الآلية ليست استثناءً، بل نمط متكرر؛ حيث تشير تقارير إعلامية إلى أن الإشاعات تُستخدم أحياناً لتشويه الخصوم أو للتغطية على أزمات داخلية، سواء من قبل حماس أو غيرها من الأطراف .
بل إن تقارير وتحليلات سياسية تشير إلى أن نشر معلومات مضللة في الساحة الفلسطينية غالباً ما يتزامن مع مراحل التوتر أو الأزمات، بهدف إعادة توجيه الرأي العام بعيداً عن القضايا الجوهرية .
المفارقة الصادمة أن الحركة نفسها دأبت على نفي كثير من الأخبار التي تُنشر عنها ووصفتها مراراً بأنها “إشاعات” أو “مفبركة”، سواء فيما يتعلق بملفات سياسية أو داخلية .
لكن في الوقت ذاته، تُستخدم الأداة نفسها — أي الإشاعة — في خطابها الإعلامي تجاه خصومها، ما يكشف عن ازدواجية واضحة في المعايير، ويضع مصداقية هذه المنصات تحت علامة استفهام كبيرة.
أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط تضليل الرأي العام، بل ضرب الثقة داخل المجتمع الفلسطيني، وتشويه البوصلة الوطنية.
فعندما تتحول الإشاعة إلى أداة سياسية، يصبح المواطن هو الضحية الأولى، وتصبح الحقيقة آخر ما يتم الدفاع عنه.
والنتيجة؟
انقسام أعمق، ووعي مشوش، وقضية عادلة تُستنزف في صراعات إعلامية داخلية لا تخدم إلا خصومها.
ما يجري ليس مجرد خلاف إعلامي عابر، بل حرب روايات تستخدم فيها الإشاعة كسلاح.
وحين تُستخدم الأكاذيب للتغطية على الأزمات، فإن الحقيقة لا تُدفن فقط… بل تُستبدل.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الأهم:
إلى متى ستبقى القضية الفلسطينية رهينة لحروب التضليل بدل أن تكون موحّدة على أساس الحقيقة؟