لم تعد الصورة في غزة تحتمل التجميل أو التبرير. الواقع اليوم أكثر قسوة من أي خطاب، وأكثر وضوحًا من أي شعارات رُفعت لعقود تحت عناوين “التحرير” و”كسر القيود” و”تبييض السجون”. ما حدث على الأرض يكشف فجوة هائلة بين الوعود والنتائج، بين الخطاب والمصير، بين الحلم الذي تم تسويقه، والكارثة التي يعيشها الناس.
لقد دخلت غزة واحدة من أسوأ مراحلها التاريخية، لا بسبب قدر محتوم، بل نتيجة قرارات سياسية وعسكرية لم تُحسب عواقبها، ولم تُراعِ ميزان القوى، ولم تضع في الحسبان الإنسان الغزي الذي أصبح يدفع الثمن وحده.
رفعت حركة حماس لعقود شعارات التحرير الشامل، وتحرير الأسرى، وكسر الحصار. لكن ما الذي تحقق فعليًا؟
وفي الوقت الذي كانت تُسوّق فيه هذه العمليات على أنها “إنجازات”، كان الواقع يسير في اتجاه معاكس تمامًا: تراجع في القضية، وتدهور في حياة الناس، وعزلة سياسية متزايدة.
واحدة من أخطر النتائج التي لا يمكن تجاهلها هي ما يتعلق بملف الأسرى. فبدلًا من “تبييض السجون”، كما كانت الشعارات تقول، نشهد اليوم تصعيدًا غير مسبوق وصل إلى حد إقرار قوانين تسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين داخل السجون.
هذا التحول الخطير يطرح سؤالًا مؤلمًا:
هل تم التفكير فعلًا في تبعات هذه السياسات على الأسرى؟
أم أنهم تحولوا إلى ورقة في لعبة أكبر من قدرتهم على الاحتمال؟
إن ما يحدث اليوم يمثل انتكاسة تاريخية لهذا الملف، ويضع حياة آلاف الأسرى في دائرة الخطر الحقيقي، بدل أن يكونوا على طريق الحرية كما وُعدوا.
بعيدًا عن السياسة، يبقى الإنسان في غزة هو الخاسر الأكبر.
الأم التي فقدت أبناءها، الطفل الذي يعيش تحت القصف، الشاب الذي فقد بيته ومستقبله—هؤلاء لم يكونوا جزءًا من القرار، لكنهم تحملوا كل نتائجه.
غزة اليوم ليست فقط ساحة حرب، بل ساحة انهيار شامل:
وكل ذلك يحدث بينما تستمر الخطابات ذاتها، وكأن شيئًا لم يتغير.
أخطر ما في المشهد ليس فقط حجم الكارثة، بل غياب أي مراجعة حقيقية. لا اعتراف بالأخطاء، لا محاسبة، لا حتى محاولة جادة لإعادة تقييم المسار.
الاستمرار في نفس النهج، بنفس الأدوات، وبنفس الخطاب، يعني ببساطة أن ما حدث قد يتكرر—وربما بشكل أسوأ.
ما جرى في غزة يكشف بوضوح أن الشعارات، مهما كانت براقة، لا تصنع واقعًا إن لم تستند إلى حسابات دقيقة ورؤية مسؤولة.
القضية الفلسطينية أكبر من أن تُختزل في مغامرات غير محسوبة، وأعمق من أن تُدار بمنطق الشعارات فقط.
غزة اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من الخطابات، بل إلى وقفة صادقة مع النفس.
ليست بحاجة إلى تبرير الكارثة، بل إلى منع تكرارها.
وليست بحاجة إلى من يبيع الوهم، بل إلى من يتحمل المسؤولية.
فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى…
وغزة، التي دفعت هذا الثمن الباهظ، تستحق أكثر من ذلك بكثير.