بدنا نعيش

أخبار المقاومة 31 مارس 2026

غزة بعد المقامرة… حين يدفع شعبٌ كامل ثمن قرار

غزة بعد المقامرة… حين يدفع شعبٌ كامل ثمن قرار

منذ السابع من أكتوبر، لم تعد غزة كما كانت. لم يعد الحديث عن أزمة معيشية عابرة أو حصارٍ مزمن فحسب، بل عن انهيارٍ شاملٍ لكل مقومات الحياة، عن كارثة إنسانية تتجاوز الوصف، وعن واقعٍ يختنق تحت ركام الدمار، بينما يُترك السكان وحدهم في مواجهة مصيرٍ قاسٍ لم يختاروه.

لقد تحولت غزة إلى مساحةٍ مفتوحةٍ للألم: مدنٌ مدمّرة، أحياءٌ سُويت بالأرض، عائلاتٌ شُردت، وأخرى فُقدت بالكامل من السجلات. مئات الآلاف من النازحين يعيشون اليوم في ظروفٍ لا إنسانية، بلا مأوى حقيقي، بلا ماءٍ نظيف، بلا كهرباء، وبلا أدنى مقومات الكرامة. المدارس تحولت إلى مراكز إيواء مكتظة، والمستشفيات إلى ساحاتٍ عاجزةٍ عن استقبال المزيد من الجرحى.

في قلب هذا المشهد، يقف المواطن الغزيّ منهكًا، لا يسأل عن السياسة ولا عن الشعارات، بل عن لقمة الخبز، عن جرعة دواء، عن مكانٍ آمنٍ ينام فيه أطفاله دون خوفٍ من الموت. لكن الإجابات غائبة، والواقع يزداد قسوةً يومًا بعد يوم.

ما حدث لم يكن مجرد تطورٍ عسكري، بل قرارٌ حمل معه تبعاتٍ كارثية على شعبٍ بأكمله. حين تُتخذ قرارات مصيرية بهذا الحجم دون حسابٍ دقيقٍ للعواقب، فإن الثمن لا تدفعه القيادات، بل يدفعه المدنيون: أطفالٌ تحت الأنقاض، نساءٌ في طوابير النزوح، وشيوخٌ ينتظرون نهايةً تليق بإنسانيتهم فلا يجدونها.

لقد كُرّست حالة الانهيار الاقتصادي بشكلٍ غير مسبوق. الأسواق فارغة، سلاسل الإمداد مقطوعة، والبطالة وصلت إلى مستوياتٍ كارثية. حتى من يملك المال، لا يجد ما يشتريه. المجاعة لم تعد احتمالًا، بل خطرٌ حقيقي يهدد حياة الآلاف. ومع غياب أي أفقٍ سياسي أو إنساني واضح، يبدو المستقبل أكثر قتامة من أي وقتٍ مضى.

وفي ظل هذا كله، تتآكل البنية الاجتماعية. العائلات التي كانت تشكل عماد المجتمع تفككت تحت ضغط النزوح والفقدان. العلاقات الاجتماعية تراجعت أمام صراع البقاء. القيم التي صمدت لعقود تحت الحصار، أصبحت اليوم مهددة تحت وطأة الجوع والخوف واليأس.

الأخطر من ذلك، هو غياب المساءلة. حين تتحول الشعارات إلى غطاءٍ للقرارات غير المحسوبة، وحين يُمنع النقد تحت ذريعة “الظرف الوطني”، فإن الكارثة تتكرر، ويُعاد إنتاج الألم ذاته مرةً بعد أخرى. لا يمكن لأي شعب أن ينهض وهو ممنوعٌ من طرح الأسئلة، أو محكومٌ عليه بتحمل النتائج دون حقٍ في المحاسبة.

غزة اليوم لا تحتاج إلى خطابات، بل إلى مراجعةٍ حقيقية، شجاعة، وصريحة. تحتاج إلى الاعتراف بأن ما حدث كان كارثة، وأن الاستمرار في النهج ذاته يعني مزيدًا من الدمار. تحتاج إلى صوت العقل، إلى إعادة الاعتبار للإنسان قبل أي شيء، وإلى وضع حياة الناس فوق أي حساباتٍ أخرى.

إن المأساة التي يعيشها أهل غزة اليوم ليست قدرًا محتومًا، بل نتيجة خياراتٍ وسياسات. وبينما يستمر الألم، يبقى السؤال الأهم معلقًا: إلى متى سيدفع هذا الشعب الثمن؟ ومن سيملك الشجاعة ليقول إن ما حدث لم يكن نصرًا، بل مأساة يجب ألا تتكرر؟

غزة تنزف… وليس أخطر من النزيف، إلا الصمت عنه.

شارك المقالة مع أصدقائك:
تم نسخ الرابط! يمكنك مشاركته الآن.