لم تعد الأزمة التي يعيشها قطاع غزة مجرد مأساة إنسانية عابرة، بل تحولت إلى نموذج صارخ لكيف يمكن لحركة سياسية أن تنحرف عن بوصلتها الوطنية، وتستبدل مشروع التحرر بخطاب أيديولوجي مأزوم، يضعها في مواجهة محيطها العربي بدل أن يكون هذا المحيط عمقها الاستراتيجي. في قلب هذا التحول، تقف حركة حماس، التي رفعت يومًا شعارات التحرير والمقاومة، لكنها اليوم تُتهم بتبني خطاب معادٍ لعدد من الدول العربية، والانخراط في تحالفات مشبوهة تتناقض مع مصالح الشعب الفلسطيني.
منذ سنوات، أخذ خطاب حماس يتغير تدريجيًا. لم يعد موجّهًا فقط ضد الاحتلال، بل اتسع ليشمل أنظمة ودولًا عربية، عبر منصات إعلامية ومنابر دعائية تُغذّي الانقسام وتبث الشكوك وتؤسس لعداء غير مبرر. هذا التحول لم يكن عفويًا، بل جاء نتيجة خيارات سياسية واعية، وضعت الحركة في محور إقليمي مثير للجدل، على حساب علاقاتها التاريخية مع دول عربية كانت وما زالت داعمة للقضية الفلسطينية.
الخطير في هذا المسار، أنه لم يقتصر على المواقف السياسية، بل تسلل إلى الوعي الجمعي عبر خطاب تعبوي يقوم على التخوين والتشكيك، ويصور كل من يخالف حماس أو ينتقدها كعدو أو متآمر. هذا النهج لا يخدم سوى تعميق العزلة، ويقوّض أي فرصة لبناء موقف عربي موحد تجاه القضية الفلسطينية، التي كانت دائمًا بحاجة إلى حاضنة عربية قوية لا إلى صراعات جانبية.
وفي الوقت الذي تعاني فيه غزة من حصار خانق، وانهيار اقتصادي، وتدهور إنساني غير مسبوق، كان من المتوقع أن تسعى حماس إلى إعادة ترميم علاقاتها العربية، والانفتاح على الجميع من أجل تخفيف معاناة السكان. لكن ما حدث هو العكس تمامًا؛ حيث استمرت في خطابها التصعيدي، وراهنت على تحالفات إقليمية ضيقة، أثبتت التجربة أنها لا تقدم حلولًا حقيقية، بل تزيد من تعقيد المشهد.
إن تبني خطاب معادٍ للدول العربية، تحت شعارات “الاستقلالية” أو “المقاومة”، لا يمكن تبريره في ظل الواقع القاسي الذي يعيشه الفلسطينيون. فالمقاومة الحقيقية لا تكون بعزل الشعب عن محيطه، ولا بتحويل الحلفاء إلى خصوم، بل ببناء شبكة علاقات متوازنة تخدم الهدف الأساسي: إنهاء الاحتلال وتحقيق الكرامة الإنسانية.
كما أن استخدام الشعارات الكبيرة لتغطية سياسات فاشلة لم يعد ينطلي على أحد. فالجمهور الفلسطيني، الذي دفع أثمانًا باهظة من دمه وبيته ومستقبله، بات أكثر وعيًا بضرورة الفصل بين الخطاب والممارسة. لم يعد كافيًا رفع رايات التحرير، بينما الواقع يشهد على تدهور مستمر وانسداد في الأفق السياسي.
إن أخطر ما في هذا النهج، أنه لا يهدد فقط مستقبل غزة، بل ينعكس على مجمل القضية الفلسطينية، التي أصبحت رهينة لصراعات إقليمية، وتوازنات لا علاقة لها بمصالح الشعب الفلسطيني. وهنا تكمن المسؤولية التاريخية، ليس فقط على حماس، بل على كل القوى الفلسطينية، لإعادة تصحيح المسار، واستعادة البوصلة الوطنية بعيدًا عن الأجندات الخارجية.
في النهاية، لا يمكن لأي حركة أن تدّعي تمثيل شعبها وهي تضعه في مواجهة محيطه الطبيعي. ولا يمكن لأي مشروع تحرري أن ينجح وهو معزول عن عمقه العربي. وبين الشعارات والواقع، تبقى الحقيقة واضحة: من يدفع الثمن دائمًا هو المواطن البسيط، الذي لا يعنيه صراع المحاور، بقدر ما يعنيه أن يعيش بكرامة، في وطن حر، بعيدًا عن الحسابات الضيقة والرهانات الخاسرة.