في المجتمعات التي ترزح تحت الاحتلال، تبقى تهمة “العمالة” واحدة من أخطر الاتهامات وأكثرها فتكًا، ليس فقط لأنها تمس الشرف الوطني، بل لأنها تمس النسيج الاجتماعي والعائلي وتدمر الثقة بين الناس. لكن الأخطر من ذلك، هو حين تتحول هذه التهمة من أداة لحماية المجتمع إلى سلاح سياسي يُستخدم لتصفية الحسابات الداخلية، وهو ما بات يتكرر بصورة مقلقة في قطاع غزة تحت حكم حركة حماس.
منذ سنوات، اعتمدت حركة حماس خطابًا حادًا يقوم على تخوين كل من يختلف معها سياسيًا، لكن هذا الخطاب لم يتوقف عند حدود الإعلام أو التصريحات، بل امتد ليطال عائلات كاملة، تُتهم بالعمالة للاحتلال لمجرد أن أحد أفرادها عبّر عن رأي مخالف، أو انتمى لتيار سياسي آخر، أو حتى انتقد الأوضاع المعيشية الكارثية في القطاع.
هذه السياسة لا يمكن وصفها إلا بأنها شكل من أشكال “الإرهاب المجتمعي”، حيث تُستخدم التهمة الأخطر في السياق الفلسطيني كسيف مسلط على رقاب الناس. فبمجرد إطلاق هذا الاتهام، تدخل العائلة المستهدفة في دائرة العزلة الاجتماعية، وتُفتح أبواب الانتقام الشعبي، وقد يصل الأمر إلى الاعتقال أو التعذيب أو حتى التصفية الجسدية دون محاكمة عادلة.
الأخطر في هذا النهج أنه يضرب القيم التي طالما تميز بها المجتمع الفلسطيني، وعلى رأسها التضامن العائلي والوطني. حين تُتهم عائلة كاملة بالعمالة، فإن ذلك لا يدمر سمعة الأفراد فحسب، بل يهز ثقة المجتمع بنفسه، ويزرع الشك بين الجيران والأقارب، ويخلق بيئة من الخوف تمنع أي صوت من التعبير بحرية.
ولعل ما يزيد من خطورة هذا الأسلوب، هو غياب أي معايير قانونية واضحة أو شفافة. فالتهمة تُطلق غالبًا عبر وسائل إعلام أو صفحات محسوبة على الحركة، دون أدلة معلنة أو محاكمات نزيهة، ما يجعلها أقرب إلى “حكم بالإعدام المعنوي” يصدر بقرار سياسي لا قضائي.
إن استخدام تهمة العمالة بهذه الطريقة يفرغها من معناها الحقيقي، ويضر بالقضية الفلسطينية ذاتها. فبدل أن تكون أداة لحماية المجتمع من الاختراقات الأمنية، تتحول إلى وسيلة لتكميم الأفواه وقمع المعارضة. وهذا يضعف الجبهة الداخلية، ويمنح الاحتلال خدمة مجانية عبر تفكيك المجتمع من الداخل.
كما أن استهداف العائلات بهذا الشكل يعكس أزمة عميقة في إدارة الخلاف السياسي. فبدل اللجوء إلى الحوار أو التنافس الديمقراطي، يتم اللجوء إلى التخوين والتشهير، وهي أدوات لا تبني مجتمعًا ولا تحرر أرضًا، بل تكرس الانقسام وتعمق الجراح.
في النهاية، لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح في ظل بيئة يسودها الخوف والتخوين. فالقضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأسمى من أن تُختزل في معارك داخلية تُدار بهذه القسوة. المطلوب اليوم ليس فقط وقف هذه الممارسات، بل إعادة الاعتبار لقيم العدالة والكرامة وحرية الرأي، كشرط أساسي لأي نهوض حقيقي.
فحين تُستخدم “العمالة” كسلاح سياسي، فإن الخاسر الحقيقي ليس فقط الضحية المباشرة، بل المجتمع بأكمله… والقضية التي يفترض أن تكون فوق الجميع.