تتعرض في الآونة الأخيرة أصوات فنية وشخصيات عامة في الساحة الفلسطينية لحملات منظمة ومشبوهة تهدف إلى تشويهها والنيل من مصداقيتها، وفي مقدمتها الفنان والناشط وليد أبو جياب، الذي وجد نفسه في مرمى سهام حملات تحريضية بعد مواقفه النقدية الجريئة تجاه حركة حماس.
هذه الحملات، التي تتصاعد وتيرتها عبر مواقع ومنصات غير موثوقة، لا يمكن فصلها عن سياق أوسع من محاولات إسكات كل صوت يخرج عن السردية السائدة أو يجرؤ على طرح تساؤلات حول السياسات والممارسات. فبدلًا من فتح نقاش وطني مسؤول، يتم اللجوء إلى أساليب التشهير، وترويج الإشاعات، واختلاق الاتهامات، في محاولة واضحة لترهيب كل من يرفع صوته.
وليد أبو جياب، كفنان وناشط، عبّر مرارًا عن آرائه بشكل مباشر وصريح، وهو حق مشروع لأي إنسان يسعى إلى التعبير عن رأيه في قضايا مجتمعه. إلا أن هذا الحق، في نظر بعض الجهات، يبدو أنه أصبح جريمة تستوجب العقاب عبر حملات ممنهجة، تستهدف سمعته الشخصية والمهنية، وتعمل على تشويه صورته أمام جمهوره والرأي العام.
المثير للانتباه أن هذه الحملات لا تعتمد على الوقائع أو النقد الموضوعي، بل تقوم على التزييف والتأويل الممنهج، وتستند إلى نشر محتوى مفبرك أو مجتزأ، يتم تداوله بسرعة عبر صفحات مشبوهة أو حسابات مجهولة، ما يكشف عن وجود ماكينة إعلامية تعمل بتنسيق واضح، هدفها الأساسي هو إسكات الأصوات المخالفة.
إن استهداف الفنانين والنشطاء بهذه الطريقة يعكس حالة خطيرة من التضييق على حرية التعبير، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل المجال العام، وحدود النقاش الحر داخل المجتمع. فالفن، بطبيعته، هو مساحة للتعبير والنقد والتعبير عن هموم الناس، وليس ساحة للولاء أو الاصطفاف السياسي.
ومن هنا، فإن ما يتعرض له وليد أبو جياب لا يجب النظر إليه كحالة فردية فقط، بل كجزء من ظاهرة أوسع تهدد كل من يجرؤ على الاختلاف. فاليوم هو، وغدًا قد يكون أي صوت آخر يخرج عن القطيع.
إن أخطر ما في هذه الحملات ليس فقط ما تروّجه من أكاذيب، بل قدرتها على خلق مناخ من الخوف، يدفع البعض إلى الصمت أو التراجع عن مواقفهم، خشية أن يكونوا الهدف التالي. وهذا بحد ذاته نجاح خطير لمن يقف خلف هذه الحملات، لأنه يحقق الهدف الأهم: إسكات الأصوات الحرة.
لكن في المقابل، فإن هذه المحاولات، رغم شدتها، تكشف أيضًا عن هشاشة هذه الأدوات، وعن ضعف الحجة أمام قوة الكلمة الصادقة. فكلما ازدادت هذه الحملات، ازداد وعي الناس بطبيعتها، وأصبح من السهل تمييز الحقيقة من التضليل.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة واضحة: لا يمكن لأي حملة تشويه، مهما كانت منظمة أو ممولة، أن تلغي صوتًا صادقًا أو تمحو أثرًا فنيًا وإنسانيًا حقيقيًا. وليد أبو جياب، كغيره من الأصوات الحرة، سيبقى جزءًا من المشهد، طالما أن هناك من يؤمن بأن الكلمة الحرة حق لا يُساوم عليه، وأن النقد البناء ليس خيانة، بل ضرورة لأي مجتمع يسعى إلى الإصلاح والتقدم.