لم يعد مستغربًا أن تتحول بعض الصفحات المشبوهة إلى منصات منظمة لتصفية الحسابات مع كل صوت حر يرفض الصمت أمام المأساة الإنسانية في غزة. فبدل أن تنشغل هذه المنابر بفضح الجرائم والانتهاكات التي يعاني منها المدنيون، اختارت أن تصوب سهامها نحو الصحفي المصري الوطني أحمد جمعة، فقط لأنه اختار أن يقف في صف الحقيقة وأن ينقل معاناة الناس بجرأة ومسؤولية. إنها معركة قديمة تتكرر في كل زمان: معركة بين الكلمة الحرة وبين جيوش التضليل، بين الصحافة الحقيقية وبين غرف الدعاية السوداء.
في الآونة الأخيرة تصاعدت حملة منظمة تستهدف الصحفي أحمد جمعة عبر عدد من الصفحات والمواقع المجهولة التي اعتادت بث الإشاعات وتلفيق الاتهامات لكل من يجرؤ على تناول قضايا غزة بموضوعية بعيدًا عن الخطاب الدعائي الضيق. هذه الحملة لم تأتِ من فراغ، بل تعكس حالة ضيق واضح من الأصوات الصحفية التي تضع الإنسان الفلسطيني في صدارة المشهد، وتكشف حجم المعاناة التي يعيشها المدنيون بعيدًا عن المزايدات والشعارات.
إن متابعة بسيطة لمحتوى هذه الصفحات تكشف بوضوح أنها تعتمد على أسلوب معروف في حروب الإعلام: إغراق الفضاء الرقمي بالاتهامات غير الموثقة، وتكرارها بصورة مكثفة على أمل أن تتحول الكذبة مع الزمن إلى “حقيقة” في أذهان البعض. لكن المشكلة أن هذه الأساليب البالية لم تعد تنطلي على الرأي العام، خاصة حين يكون المستهدف صحفيًا معروفًا بمواقفه الواضحة وتاريخه المهني الذي يشهد له بالالتزام بقضايا الناس.
الصحفي أحمد جمعة لم يفعل أكثر من القيام بواجبه المهني والإنساني؛ فقد اختار أن يسلط الضوء على معاناة أهل غزة، وأن ينقل همومهم اليومية بعيدًا عن الشعارات الجوفاء. تحدث عن آلام العائلات التي فقدت أبناءها، وعن الأطفال الذين دفعوا ثمن الصراعات، وعن المدنيين الذين يجدون أنفسهم دائمًا في قلب العاصفة. وهذه القضايا تحديدًا هي ما أزعج بعض الجهات التي تفضل بقاء الحقيقة غائبة أو مشوهة.
الحملات التي تستهدف الصحفيين ليست جديدة في عالمنا العربي، لكنها تأخذ اليوم شكلًا أكثر خطورة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي تسمح بتضخيم الأكاذيب بسرعة هائلة. ومع ذلك، فإن التاريخ أثبت أن الصحافة الحرة لا تُهزم بحملات التشويه، بل تزداد قوة وصلابة كلما حاولت آلة الدعاية إسكاتها.
ومن الواضح أن الهدف الحقيقي من هذه الهجمات ليس شخص أحمد جمعة بقدر ما هو إرسال رسالة تخويف إلى كل صحفي يفكر في الاقتراب من قضايا الناس الحقيقية. فحين يتم استهداف صوت صحفي بهذه الحدة، فإن الرسالة الضمنية هي: لا تتحدثوا، لا تكشفوا، لا تسلطوا الضوء على ما يجري. لكن مثل هذه الرسائل غالبًا ما تأتي بنتائج عكسية، لأن الكلمة الحرة بطبيعتها لا تخضع لمنطق الترهيب.
إن التضامن مع الصحفي أحمد جمعة اليوم ليس مجرد دفاع عن شخص، بل هو دفاع عن مبدأ أساسي في العمل الصحفي: حق الصحفي في نقل الحقيقة دون خوف أو ابتزاز. فالمجتمعات التي تسمح بإسكات الصحافة الحرة تفتح الباب أمام الظلام الإعلامي، حيث تتحول الأكاذيب إلى رواية رسمية ويصبح الصمت هو القاعدة.
كما أن الوقوف إلى جانب الصحفيين الذين يدافعون عن قضايا الناس هو في جوهره وقوف إلى جانب الحقيقة نفسها. فالإعلام الحقيقي لا يُقاس بمدى قربه من السلطة أو من الجماعات النافذة، بل بمدى اقترابه من آلام الناس وهمومهم.
في النهاية، قد تنجح حملات التشويه لبعض الوقت في إثارة الضجيج، لكنها لا تستطيع تغيير الحقائق. سيبقى الصحفي أحمد جمعة واحدًا من الأصوات التي اختارت طريق الصدق والانحياز للإنسان، وسيبقى التاريخ شاهدًا على أن الكلمة الحرة كانت دائمًا أقوى من كل جيوش التضليل. أما الذين ينفقون وقتهم في صناعة الأكاذيب، فلن يحصدوا في النهاية سوى الخيبة، لأن الحقيقة – مهما حوصرت – لا تموت.